العنوان قصة البارجة حميدية
عنوان تمهيدي أبطال يرفضون الردة
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1973
مشاهدات 19
نشر في العدد 152
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 29-مايو-1973
أيام رتيبة تمر على بحارة القطع الحربية العثمانية الرابضة في بحر مرمرة عند الدردنيل، ومن ورائها الحصون المنيعة التي تحرس شواطئ البحر الأبيض والمضيق، وتمنع على العدو طريقه إلى إستانبول.
لقد انقضى شهر حتى الآن على بداية الحرب
العثمانية اليونانية، ولا يدري أحد إن كانت هذه الحرب التي تقف من خلفها روسيا
وإنجلترا تستغرق بقية شهور سنة 1912 أم إنها ستنتهي قريبًا.
لقد خرج الأسطول العثماني إلى عرض البحر مرارًا،
ونازل الأسطول اليوناني، وأضر به، لكنه لم يستطع تحقيق انتصار حاسم ورجع مضطرًا
للاحتماء بحصون الدردنيل، ليأخذ أفراده قسطًا مقتضبًا من الملل والضجر.
ويصعد حسين رؤوف بك من اللانش الصغير إلى
بارجته (حميدية)...
ويرتفع أذان العصر وسط البحر الواسع، وينتظم
الجنود وراء القائد في صفوف ثلاثة يسبحون الله في صمت..
وما إن سلم حسين بك وأنهى صلاته حتى التفت إلى
جنوده، ووقف، وأمرهم بالوقوف في حلقة واسعة بمدار سعة السطح الخلفي للبارجة،
فأسرعوا يرتقبون أمرًا ليس بالعادي، وساد سكون رهيب، لا ضوضاء معه إلا أصوات تكسر
الأمواج الخفيفة على جوانب البارجة.
- ترى ماذا يريد القائد؟
- اخفض صوتك، دعه يفكر، إني أعرف ملامحه حين
يفكر في أمر عظيم. إنه لا يستطيع تقديم نفسه فريسة للضجر.
- ترى أهو أهل لأن يفكر بهذا المستوى؟
- يا لك من جندي غافل! إنك جديد معنا ولا
تعرفه جيدًا.. إن له قلبًا عظيمًا كبيرًا، وتوكلًا على الله.
ويستمر الحوار بين الجنديين وحسين بك يقطع ظهر
البارجة في خطى قوية جيئة وذهابًا، ويلتفت فجأة ليقطع الهمس، ويحمر وجهه، وتبرق
عينه، ويرفع صوته:
- بسم الله، والحمد لله، والله أكبر.. توكلنا
على الله أيها الشجعان.
ويسكت قليلًا، فتدق قلوب الجنود ترقبًا لهذا
الأمر العظيم، ويقرأ بلسان عربي -بمشقة واضحة- آيات من القرآن الكريم تحث على
الجهاد والإقدام.
- لا أطيل الهدوء أيها الإخوة، ولا بد من
الإقدام والله معنا، وقد اقترحت على القيادة العامة أن نهجم بأسطولنا مجددًا على
الأسطول اليوناني فرفضت القيادة نظرًا لقوة البوارج اليونانية الحديثة وكثرتها،
فاستأذنت أن نهجم لوحدنا ببارجتنا العتيدة، ونخترق الحصار، ونهاجم الخلف مباشرة،
فماذا تشيرون؟
وإذا الكل ساكت، فيعود القائد للحديث:
- ماذا تقول أيها الملازم حقي؟ لعلك تفكر في
الرجوع إلى عروسك وطفلك عمر؟
- كلا أيها البك، لا أكذب، إني أفكر فيهما،
ولكن شوقي إلى حوريات الجنة أكبر.. أنت قدوتنا وقائدنا، نحن معك، ولعل الجنود
يمنعهم الاحترام من الكلام، وهم جميعًا أكثر شوقًا مني.
- إذن تجهزوا، وبعد صلاة المغرب سنبدأ المسير
نحو الجنوب الغربي، لنخترق حصار البوارج اليونانية خلال الظلام، ونتجه صوب ميناء
سيرا مباشرة من غير انتظار.
- أفندم، ولماذا ميناء سيرا بالذات؟
- أراك تتردد أيها الملازم شوكت!
- كلا سيدي، ولكننا نعلم أنه ميناء قوي مزود
بمدفعية ساحلية وتتردد عليه بوارج ومدرعات جديدة.
- ذاك ما أريد، أن أضرب مركز القوة، وقد تعلمت
أن العدو أكثر ما يكون غفلة حين تكون القوة التي في يديه كبيرة وحصونه مانعة، إنه
يتكل على الحديد، ويترك قلبه وعقله، فتسهل هزيمته، ثم..
وتلف القائد إطراقة يمسح عرق جبهته بإصبعه
خلالها مرارًا، ويطول سكوته.
- معذرة يا سيدي، ثم ماذا؟ لم تقل لنا.
- إيه أيها العريف نامق، أنتم رجال مخلصون،
وأنا راضٍ عنكم، لكني إن قلت لكم ثم ماذا لا تصدقون.
- أفندم، أستغفر الله، أنت أبونا وأخونا
الكبير قبل أن تكون قائدنا، ولقد علمتنا الشورى.
- كلا، لا تصدقون، إنه إحساس لا دليل لي فيه،
إنها مجرد فراسة.
- أنت رجل مؤمن، وفراستك لا تخيب، وقد أقلقتنا..
قل بالله عليك.
- أوتعاهدوني أن يكون الكلام سرًا بيننا.
- نستغفر الله، كيف نخونك؟
- إذن أقول لكم.. تعلمون أني كنت من الضباط
الذين عاونوا على خلع السلطان عبدالحميد. لقد كنت أحبه والله، وروى لي أساتذتي
القدماء قصصًا لا تعرفونها لثباته وإقباله تجاه إغراء اليهود له وطلبهم الهجرة إلى
بلادنا المقدسة فلسطين، ولكني رأيت إهماله للأسطول العثماني، فعملت باندفاع الشباب
المتحمس على المشاركة في الانقلاب. والآن، بعد مرور أربع سنوات على العهد الجديد
بدأت ألمس اليد اليهودية والماسونية تلعب في سياسة دولتنا العظمى، وأرى تملصها
تدريجيًا من إسلامنا الذي هو عزنا وفخرنا، وكأني أرى من وراء الغيب أقدام اليهود
تنجس الأرض المقدسة والمسجد الأقصى، وأرى القيادات الهزيلة تخلي سيناء وتتراجع إلى
ما وراء قناة السويس، واليهود يصلون عند الطور.. كأني أرى ذلك أمام عيني بعد أن
رأيت الابتسامة الماكرة تعلو وجه هذا المشبوه قره صو عند خروجه مرارًا من مقر
الحزب في إستانبول.
أيها الشجعان: أريد أن أجعل من إقدامنا على
سيرا مثلًا يذكرهم غدًا عيب تراجعهم عن سيناء.
ويسكت الجميع، بينما يبلغ حسين بك ذروة
الانفعال:
- ألم أقل لكم إنكم لا تصدقون!
- قد صدقناك سيدي، الدعاية غشتنا، وأنت أعلم
وأعرف، فتوكل على الله نحن معك.
- إذن تجهزوا للتحرك بعد ذهاب الشفق.
وتنساب حميدية بمدفعيتها الثلاثة مع انسحاب
الظلام، ويفلح حسين بك في الإفلات بسير هادئ من حصار الأسطول اليوناني ويتركه
خلفه، ويندفع بأقصى سرعته نحو الجنوب ليخفي معالمه عن دوريات العدو، حتى إذا ابتعد
عاد فسار غربًا بقية النهار، وأمر بالتوقف لتستريح ماكينة بارجته القديمة، وليعد
للمسير شمالًا صوب سيرا مباشرة مع غياب الشفق الجديد.
- ما زال بيننا وبين طلوع الشمس ثلاث ساعات
أيها الإخوة، وكما رسمت لكم: المدفع الكبير يتولى إغراق السفن الرابضة في الميناء،
والمدفع الأيمن يتولى تدمير مخازن الوقود والذخيرة والأبنية، والمدفع الأيسر يركز
على المدفعية الساحلية.. توكلوا.
ويتمزق السكون والظلام على صواعق المدافع
الثلاث تطلق لهبها مرة واحدة مع التكبير.
- الله أكبر، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله،
هذه كبرى بوارج العدو تترنح.
- الله أكبر، وهذه مدمرتهم الجديدة: الإسكندر،
لقد مالت وتصاعد منها الدخان.
- أفندم، إنهم لا يزالون نيامًا، لا جواب
منهم.
وتقترب حميدية بجرأة أكبر حتى لكأنها تريد
الرسو في الميناء، وتتصاعد ألسنة اللهب كلما زاد اقترابها من مخازن الميناء، وحين
كان مخزن الذخيرة الكبير ينفجر بمحتوياته ليهز الأرض ويزلزلها كبركان عظيم، كانت
مدفعية الترابيلوس الرشاشة تحصد من على سطح حميدية عشرات الذعورين على الشاطئ.
وتستدير حميدية للعودة، فإذا بارجتان في عرض
البحر تسدان الطريق.
لم يكن قد بقي من البارجة و«الإسكندر» شيء
مرئي إلا القسم الأعلى، وهما تغطسان نحو القاع المظلم، ومن ورائهما حريق كبير..
وبحركة سريعة يقسم حسين بك البارجتين
الجديدتين يمين بارجته، ويقطع عليهما دهشتهما وتفاجئهما بحمم كثيفة.
- ركزوا النار على البارجة التي في الخلف.
وما هي إلا دقائق حتى كان معظم البارجة
اليونانية غارقًا، ويمتلئ وجه البحر بالقوارب الصغيرة تحمل الجنود الناجين، وتلوذ
الأخرى بالفرار متجهة داخل الميناء في ذعر، فيما تطلق مدفعيتها طلقات طائشة تائهة.
وتستدير حميدية نحو قارب لتأسر بعض الضباط
والجنود في محاولة للتعرف على أماكن القطع اليونانية الأخرى.
وما إن كان النور يعم الأفق يبشر بقرب ميلاد
شمس جديدة حتى أدارت حميدية ظهرها، واندفعت نحو الجنوب الغربي.
- قل لنا أيها الملازم ميخائيل، أين كانت
مهمتكم التي عدتم منها؟
- مهمة عادية في حراسة الشواطئ.
- كلا، هذه سواحل بعيدة عن الأسطول العثماني،
ولا خوف عليها، ولا حاجة لحراستها.
- لكنكم كنتم فيها فعلًا، ودمرتم.
- جرأتنا وضعتنا فيها، وتوكلنا وأوصلنا لها،
فقل لنا الحقيقة.
وقبل أن ينطق ميخائيل كان صوت العريف نامق
عاليًا يخبر القائد برؤية قافلة بعيدة من سفن ثلاث.
- ألاحظ أيها الملازم حقي، أرى في المنظار
أنها سفن تجارية.
- نعم يا سيدي، لكن الثالثة التي في الخلف
أشبه بالبارجة تحرسها.
- إذن كنتم تمهدون لهما الطريق وتحرسونهما من
الأمام يا ميخائيل.
ويسكت ميخائيل، ويسكت الجميع هنيهة قصيرة
ليقطع الصمت صوت القائد:
- أيها الملازم شوكت، وجه تحويل اتجاه بارجتنا
إلى الخلف شمالًا، ولنسر في موازاة القافلة ونفس اتجاهها، واقترب تدريجيًا منها
لعلهم يحسبوننا منهم.
وتقترب حميدية تدريجيًا دون أن يثير اقترابها
شكًا لدى القافلة.
- سيدي، البارجة التجارية الأولى تحمل العلم
اليوناني، والثانية تحمل العلم الإنجليزي، والثالثة بارجة يونانية صغيرة.
- نُغرق البارجة، ونسلب الأولى قبل إغراقها،
ولا تتعرضوا للثانية، لئلا تنحاز بريطانيا كلية نحو اليونان، لقد شددت القيادة
العامة على عدم التعرض للبواخر الإنجليزية، وهي تعلم مدى اتساع إعانة الإنجليز
لليونان، ولكن لا نعطيهم حجة الانحياز الكامل.
وتقترب حميدية من البارجة الخلفية لأكثر من
ذلك، وتتجه لها عموديًا دون أن تثير شكها، إنها خطوط خلفية بعيدة، من غير المتوقع
أن توجد فيها قطعة عثمانية.
ومع استدارة خاطفة من حميدية تنطلق المدافع
الثلاث مركزة على خلفية البارجة، وتحاول البارجة الرد، ولكن بعد أن ارتفعت مقدمتها
عن الماء وغطست مؤخرتها، وراحت طلقات مدافعها تتجه إلى الأعلى في تبعثر مضحك.
- اتركوا بحارتها في قواربهم لتنتشلهم الباخرة
الإنجليزية وتقدموا نحو الباخرة الأولى.
ويصعد بعض الجنود مع الملازم حقي إلى الباخرة
ليجدوا أن معظم حمولتها تتألف من أعتدة تخالف مقياس أعتدة مدافع حميدية، فيكون
قرار نسفها.
ويعطى بحارتها مهلة قليلة للانتقال إلى
الباخرة الإنجليزية، ولم يكلف إغراقها إلا طلقة واحدة من حميدية فجرت الحمولة
الكبيرة من العتاد كبركان عظيم.
- أنرجع يا سيدي؟
ويضحك حسين بك من سذاجة السؤال...
- كلا أيها الجندي الشجاع، إن ميناء سيرا قد
عمم تلغرافًا الآن بما حدث، ولا بد أن عشرات القطع تسد علينا طريق الرجعة الآن.
- إذن..
- نذهب إلى مالطا، فنضرب عصفورين بحجر.. نفوت
على العدو مهاجمتنا فيها، ونرجع معنا هذه السفينة فنسلمها سالمة إلى القيادة
الإنجليزية هناك، ونؤخر وصول العتاد إلى اليونان، ونفوت فرصة تحريض يوناني
للإنجليز علينا.. هيا أسرعوا قبل أن يُحاط بنا.
وترجع حميدية نحو الجنوب الغربي وبرفقتها
الباخرة الإنجليزية التجارية المحملة بالعتاد، لترسو بعد ثلاثين ساعة في ميناء
مالطا.
وحين كان حسين بك على مائدة القائد الإنجليزي
يتعشى ويروي للميجر جون تومبسون ما حدث، كانت أعصاب الميجر ترتعش، لكنه لم يستطع
إخفاء إعجابه ببطولة هذا القائد المسلم وذكائه السياسي الذي خلصه من ورطة وشيكة
الوقوع مع الإنجليز.
- سيدي الميجر، سيدك البيك، ثلاث بوارج
يونانية خارج الميناء.
- ماذا تعني أيها الملازم ستيوارت؟
- لقد وصلوا هذه الساعة كما أفادت دورياتنا.
ويحك حسين بك رأسه قليلًا، ثم يخاطب القائد:
- لعلهم يقنعون بمجرد الأعتدة أيها الميجر،
دعهم يصطحبوا السفينة الإنجليزية لعلهم يكتفون.
- آسف، لا أجازف، ولك مهلة لترحل حتى الصباح.
ويُطرق حسين بك إطراقة طويلة، ويدعو ملازميه
للتشاور، ويكرر أمامهم ضرب جبهته يفتش عن حل لهذه الورطة.
- أفندم، ألم تبلغنا سابقًا أن تقارير
الاستخبارات الواردة من القيادة تفيد بأن اليونان تعاني من أزمة نقص العتاد؟
- نعم، فماذا تقترح يا حقي؟
- لا نخرج في الليل، بل ننتظر حتى الصباح
ليتمكنوا من رؤيتنا، ونخرج بهدوء نوجه مدافعنا نحو الخلف باتجاه الباخرة
الإنجليزية الراسية المحملة بالعتاد لهم، كأننا نهدد بنسفها إذا تعرضوا، وبذلك
نضمن عدم تعرضهم لنا لحرصهم على العتاد، وقد كسبنا تأخير وصوله، ثم إننا لا يمكننا
نسفها بالفعل حرصًا على عدم تأزم وضع الدولة العلية مع الإنجليز حتى يصح أن نفدي
أنفسنا ثمنًا لعدم وصول العتاد.
ويبتسم حسين بك ابتسامة من وجد المخرج الصائب،
ويربت على كتف حقي.
- وماذا عندك يا شوكت؟
- فكرة صائبة يا سيدي، وأقترح أيضًا أن نجعل
خروجنا نحو الغرب ونلف مالطا لئلا نزيد من جَفْلَتهم، وبذلك نؤمن رجوعنا بسلام.
ويبتسم حسين بك ثانية.
- بارك الله فيكما، أنتما خليفتاي من بعدي حقًا،
أسرعا بإعداد الأمور.
وتبدأ حميدية تملصها الهادئ مع ارتفاع الشمس
ومدافعها إلى الباخرة الإنجليزية المحملة بالعتاد، وينبض قلب حسين بك بسرعة، ويسود
الجميع وجوم وصمت رهيب.
- إنهم مندهشون سيدي، أُسقِطَ في أيديهم، لا
يدرون ماذا يفعلون.
- نعم، حرصهم على العتاد يحرسنا الآن، فإذا
بعدنا عنهم حرستنا هيبة ما فعلنا بالأمس في سيرا.
- إنهم جامدون سيدي، لقد ابتعدنا ويمكنهم
مهاجمتنا.
- كلا، ليس هو الحديد، ليس هو السلاح، إنها
القلوب التي وراء الحديد.
وتستدير حميدية حول مالطا وتكون جنوبها،
وتندفع شرقًا نحو بيروت بعيدًا عن خطر الأسطول اليوناني المتربص.
وعلى رصيف ميناء بيروت كان عدد من كبار
العسكريين والمدنيين في استقبال الأبطال، وما إن نزل حسين بك حتى عزفت فرقة من
موسيقى الجيش العثماني النشيد.
ويتقدم فخري بك قائد موقع بيروت ليعانق حسين
بك وملازميه، ويعلق على صدر كل منهم وسامًا، وتعزف الموسيقى ثانية.
- ولكن ما أدراكم بما فعلنا؟
- لقد عممت القيادة من إستانبول خبر انتصاركم
بالتلغراف على جميع الولايات، وتوقعوا وصولكم إلى بيروت كمخرج تفرضه المنطقية..
الأمة الإسلامية تفخر بك يا حسين بك، لقد رفعت رأسنا عاليًا. تعال أعرفك
بالمدنيين، وها هو على رأسهم شكيب أفندي أرسلان يحييك نيابة عن مجلس المبعوثان
العثماني.
- مرحبًا بك أيها البطل، لقد كنت أقول دائمًا
إن المثل الذي يقوله الناس: «لا يفل الحديد إلا الحديد» مثل خاطئ، إنه يا حسين بك
لا يفل الحديد إلا القلب الحديد. لقد اهتز العالم لما فعلت.
- شكرًا يا شكيب أفندي، الفضل لله وحده، هذه
ثمرة الإيمان والتوكل.
ويستقبل حسين بك في إستانبول استقبال كبار
الأبطال، ويجلس في السيارة المكشوفة وعن يمينه أنور باشا يقصدان قصر الخلافة
والجمهور يحييه، ويستقبله السلطان محمد رشاد عند الباب، وما هي إلا نصف ساعة مع
السلطان حتى يخرج حسين بك نائبًا لوزير البحرية العثمانية.
وتمر سنتان، وتدق الحرب العظمى العالمية
طبولها، ليجد حسين بك نفسه مرة أخرى بصحبة أنور باشا يقتربان من قصر الخلافة ليخرج
بعدها وزيرًا للبحرية في فترة حرجة من تاريخ الإسلام.
لقد تورط هؤلاء الشباب المتحمسون ودخلوا الحرب
حلفاء لألمانيا، ولو تجنبوها لخرجت الدول الكبرى كلها من الحرب متعبة ولبثوا
أقوياء يفرضون إرادتهم، لكنه الحماس الساذج حين تلعب به أيادي الماسون واليهود من
حيث لا يدري.
- أهم واجباتك يا حسين باشا أن تساند الجيش في
حراسة مضيق الدردنيل ورد هجوم الحلفاء المركز عليه.
- سأبذل وسعي إن شاء الله يا أخي أنور.
- وانتبه إلى أن الحلفاء سيركزون على جناق
قلعة، ولا بد من الاحتفاظ بها بأي ثمن فإنها مفتاح إستانبول.
ويتفانى حسين رؤوف باشا، ويظل على اتصال
بالقائد النَّبِه مصطفى كمال يحثه على الثبات والدفاع عن جناق قلعة.
وبحركة بارعة من مصطفى كمال يقذف خلالها
بالخيالة الاحتياطية إلى ميدان المعركة: ترتد الجيوش الإنجليزية والفرنسية وترجع
يائسة، وتظل الراية العثمانية ترفرف على جناق قلعة لتجعل من مصطفى كمال مثل
البطولة للأمة بعد حسين رؤوف.. ويتعانق البطلان.
- احمد الله يا أخي مصطفى، إنه تأييد الله
الذي أيدني في البحر.. أيدك على رُبَى جناق قلعة.
ولكن مصطفى كمال لا يزيد على الابتسام.
- ويحك! ما لك! ماذا دهاك؟ ما لك لا تزيد على
الابتسام؟
- دعنا صديقين يا حسين..
- أنت أخي وصديقي، ولكن..
- دعنا صديقين فإنها بداية صحبتنا.
وتمر السنوات الصعبة، وتنجس أقدام اليونانيين
والإنجليز أرض الإسلام الطاهرة، ويتجمع قادة الجيش العثماني المنهزم في الأناضول
للمقاومة.
وكان لا بد من تقديم وجه مشهور له رصيد من
الماضي.. لقد تشرد أركان الاتحاد والترقي..
قتل طلعت، وقتل جمال بيد الأرمن، وانشغل أنور
بتنظيم المقاومة الإسلامية للجيش البلشفي الأحمر الروسي في أنحاء بخارى.
لم يبق إلا مصطفى كمال للقيادة!
والتف حوله المخلصون.. حسين رؤوف، فوزي جقمق،
وأمثالهما.
وببقية الروح الإسلامية المضمحلة يعلن الجهاد،
ويلقب مصطفى كمال بالغازي.
وتدور رحى المعارك العنيفة، ومع كل نصر يبذله
المجاهدون يرتفع اسم مصطفى كمال عاليًا، وتخرج الجيوش المحتلة، ويملك مصطفى كمال
القلوب، ويحرك الجيل الجديد كيف يريد، ومن خلفه حسين رؤوف باشا رئيسًا للوزراء..
حوادث تمر سريعة، والمخلصون لاهون بحديث
النصر، ومصطفى كمال يعمل بهدوء وصمت من وراء ظهرهم.
وتأتي سنة 1924 ليبدأ ابن الدونمة ضربته.
- هل صحيح ما سمعته من عصمت أيها الغازي أنك
تنوي إلغاء الخلافة؟
- ربما يكون صحيحًا، عصمت لا يعرف الهزل.
- لكني رئيس الوزراء أيها الغازي، كيف تعلن
ذلك قبل أن أعلم؟ لقد قتلت العشرات من رجال تركيا ولم أعلم، واليوم تلغي الخلافة!
- أتأسى يا حسين على خلافة بالية؟
- الخلافة عزنا وشعار وحدتنا الإسلامية.
- أما رأيت خلافة محمد رشاد الهزيلة؟
- هو الهزيل وحده، لم يكن أهلًا للخلافة، جاء
به الاتحاد والترقي ضعيفًا لينفذ رغباته.
- لكنك اشتركت في انقلابهم وعملت معهم يا
حسين.
- كنت شابًا متحمسًا أول الأمر، ثم خشيت بعد
ذلك أن تزيد الأمور ترديًا بغيري، فشاركت..
- على كل، هذا الذي نريد الآن، لا بد أن تندثر
الخلافة ولا بد من إجلاء الإسلام عن تركيا، فماذا تريد؟ أجب بلا جدل طويل.
- أهكذا بعد هذه الصحبة الطويلة يا مصطفى؟
أهكذا أكون أنا المجادل؟
- تركيا مقبلة على عصر زاهر، لا تؤخر
انطلاقتها، قل كلمتك وامش.
- ليس لك ذلك، لن تستطيع النيل من الإسلام،
لقد اتفقنا معك من أول يوم على أن الأمر شورى.. حسنًا، لا أمانع، أنا أحب الشورى،
شاوروا ضباط الجيش وسترى الإجماع.
- إنهم شباب نتاج تربيتك وحرصت على جمعهم من
وراء ظهرنا.. إنهم رجالك خاصة، كيف تشاورهم في أمر تريده؟
- حسنًا، شاور رجالك، لقد أنصفتك يا حسين كل
الإنصاف.
- لم أجمع رجالًا حولي يا مصطفى، أنت تعلم ذلك،
لقد كنت أعيش لكل الملة.
- ما ذنبي إذن، هذا هو المنطق.
ويطرق حسين رؤوف بإطراقة طويلة، ويقطع غرفة
مكتب الغازي بخطوات متراخية في صمت، ويدير ظهره، ويقترب من الباب ويفتحه، ويلتفت
ليقول كلمته الأخيرة في أسى واضح:
- لقد صدقت يا مصطفى، هذا منطق العصر الذي
غفلنا عنه، ليس لك ذنب، الذنب ذنبنا نحن!
- تمهل قليلًا يا حسين، فنجان قهوة آخر..
- نعم، يحق لك الاستهزاء، ويحق لك أن تبتسم
هذه الابتسامة الماكرة.. كان يجب عليّ أن أفهمها يوم ابتسمتها في جناق قلعة.
ويغلق الباب بعنف، ويتجه بسيارته إلى بيته،
ينظر إلى شوارع أنقرة نظرة المودع.
- أنت هنا يا حقي!
- نعم يا سيدي، لقد أشاع عصمت في الجيش إشاعة
مقلقة وذكر أن الغازي قد ضاق بك ذرعًا.
- نعم يا حقي، سأغادر تركيا.
- ولكن لماذا يا سيدي؟ لماذا نتركها لحفنة
قليلة تعبث، نحن وراءك فاضرب ضربتك.
- بمن أضرب يا حقي؟
- بالمخلصين، إنهم ما زالوا أكثرية في تركيا، ما
زالت بلادنا غنية بالرجال.
- إيه يا حقي، لقد ورثت سذاجتي مثلما ورثت
شجاعتي. ماذا يفيد الإخلاص المجرد؟ أي رابط يربطهم، لقد جمع مصطفى كمال هذه القلة،
لكنها قلة منظمة تعرف غايتها وتجد في العمل، والإخلاص يرقد في البيوت، لقد فات
الأوان يا حقي.
- أتذكر يا سيدي ليالينا في البحر الأبيض على
ظهر حميدية، لقد كنا نفتح لك صدورنا، ندعك تقترب، كنت أنا وشوكت نطمئنك فينا، كنا
ننتظر منك كلمة تدعونا إلى عهد عمل للإسلام، لكنك لم تفعل!
- لا تفجر ألمي يا حقي، لقد كنت ساذجًا،
والمهم أن تستدرك أنت.
- وكيف يا سيدي؟
- اسمع يا حقي، لقد وعظتني التجارب.. إن معرفة
الهدف بوضوح جزء أساسي جدًا من النجاح، ولا بد لكل عامل أن يحوز هذا الوضوح لهدفه
ابتداء حتى يضمن لنفسه أن تكون متفتحة تجاه هذا العمل، منسابة انسيابًا لا عوج فيه
مع المجرى الذي يجب أن يسير فيه هذا العمل.
من هذه الحقيقة لا بد لنا أن نحدد بوضوح هدفنا
من العمل في كل منطقة تتعرض لردة قومية عارمة عن الإسلام.
إننا لا نستطيع إنشاء دعوة إسلامية بسرعة
لتصارع الموجة القومية الطاغية الباطشة، ولكن النظر المتأني يفيدنا أن ثمة إفلاسًا
شاملًا تعلنه كل قومية بعد أن ينقرض جيلها، ويعود الجيل الجديد إلى إسلامه وتلبية
نداء فطرته.
وإذن فعلينا ألا نصارعها وجهًا لوجه وهي في
عرامتها وسكرتها وبطشها، فتلك حرب خاسرة متعبة، ولكن نحاربها بأن نحفظ الدعوة
الإسلامية حية في قلوب نفر من الأذكياء الشجعان، يطيلون الصبر، ليقودوا الجيل
الجديد القادم نحو الإسلام.
يجب أن نربي قلة مؤمنة تربية عميقة، ونترك
مجرد التظاهر وتجميع رجل الشارع، هكذا، إعداد قيادي نحسب إلى حين إفلاس كل قومية
في فترة عرامتها الأولى، أيًا كانت هذه القومية.
أفهمت يا حقي؟
- نعم يا سيدي، لكنه انتظار ثقيل.
- ثقيل ولا شك، ولكن لا بد منه.
- نتوكل على الله.
- قل لي يا حقي، كيف حال ولدك عمر؟
- إنه رجل الآن يا سيدي، إنه في الخامسة عشرة.
- وأبناء أخيك؟
- رجال مثله.
- حسنًا، إنهم ناشئة اليوم قادة الغد، أرجو أن
تعتني بتربيتهم ليقودوا رجوع تركيا إلى الإسلام، وحدثهم عن خبر التوالي المتبادل
والاقتران الدائم بين الفقه والجهاد على مر العصور، وعلمهم كيف يكون الوعي السياسي
شرطًا في إنتاجهما الثمرة المطلوبة. إنها تجربة دفعنا ثمنها غاليًا ويجب ألا يعيد
جيل العودة إلى الإسلام دفع ثمنها. علمهم أن انتقاء الرجال يقي المصارع.
- لن نستكين سيدي، حقًا إنها مصارع، ولقد
انتقيتم مصطفى كمال بميزان الشجاعة فحسب، فكانت هذه النتيجة، وهذا المصرع.
- كفى ألمًا يا حقي، ابدأ العمل، وكن على صلة
دائمة بشوكت وبأبناء العريف نامق وأمثالهم.. رعاكم الله، الوداع يا حقي، أنا ذاهب
غدًا إلى باريس لأقيم بقية حياتي هناك لعلي أنجو من القتل فأفيدكم يومًا ما.
- كان الله معك سيدي، سنذكرك بكل خير إن شاء
الله.. الوداع.. الوداع.