العنوان أبدًا وفي التاريخ بر يميني
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2002
مشاهدات 73
نشر في العدد 1496
نشر في الصفحة 33
السبت 13-أبريل-2002
وسط كل هذا الحجم من الموات والعفن والإحباط وشلل الإرادة والتباس الطريق وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، وسط كل هذا الهياج الغاضب المتخبط في واقعه، يهيم على وجهه لا يدري إلى أين يتجه ولا ماذا يفعل، وسط كل هذه الآمال المجهضة، والحقائق المرعبة عن عجزنا واستسلامنا وسقوطنا أمة وأفرادًا، وسط ذلك كله لا ينبغي أن نغفل عن أمرين اثنين أولهما هو هذا الإحساس العميق بالتفاعل الوجداني العام للعرب والمسلمين اليوم مع إخوانهم في الأرض المقدسة المحتلة وثانيهما أن هذا الحجم المهول من الطغيان «اليهوأمريكي»، والتقاعس «الإسلاعربي» لم يستطع أن يغير لا قناعات العرب ولا المسلمين عن الحق والباطل.
وربما وفي ظل هذين المحورين لم تعان إسرائيل منذ نشأتها هزيمة أبلغ من هذه، فهي لم تستطع على الرغم من سياسات التطبيع والتركيع والتأميع الاقتصادي والسياسي والإعلامي أن تغير من قناعة الشارع العربي، كما أن العالم الإسلامي مازال يقف وبتصميم إلى جانب القضية على الرغم من المحاولات المستميتة لسلخها عن جلدها الإسلامي من قبل دعاة القومية والإقليمية والشرق أوسطية، بل لقد تمخضت المعركة عن تحالف شديد الفاعلية فكريًا وجماهيريًا بين القوميين والإسلاميين الذين تنبهوا إلى ضرورة جمع الجهود في مواجهة مشروع يتهدد وجود الأمة الحضاري وعقيدتها.
على الرغم من دباباتها وطائراتها وجنودها المجهزين إلى درجة العجز عن الحركة خارج تحصيناتهم شبه الفولاذية، على الرغم من استكبارها واستنادها إلى العجز السياسي الأوروبي، والقهر والإحباط العربي والإسلامي، والتأييد الأمريكي المعلن الذي ما عاد لديه ما يخفيه عن هذا العالم المستعبد استعمارًا أو المستعمر استعبادًا وصمتًا واستسلامًا على الرغم من تجنيد الآلة الإعلامية اليهودية لخدمة المشروع الصهيوني، فإن «إسرائيل» اليوم ليست إلا دويلة مهزومة بكل مقاييس الهزيمة: مهزومة سياسيًا بسبب الخوف الذي دفع شعبها إلى التمسك بالأمل الأخير لديه وهو «شارون» السفاح القاتل لينقذه من هذا الشعور المزلزل بانعدام الأمن والأمان، مهزومة عسكريًا لأن جيشها الذي أرادت له ألا يقهر قهر مرارًا وتكرارًا أمام أطفال الحجارة الذين فرغوا الآلة العسكرية الهائلة من قدرتها على الفعل أمام عدو أعزل، ولأن حجم قدراتها العسكرية لا يتناسب مع حجم النزاع الإنساني- الإنساني في فلسطين المحتلة، والذي أدى بها أن تفتضح في المحافل الدولية لكونها دولة «نازية» بكل أبعاد الكلمة تتسبب في «هولوكوست» جديد وحرب تصفية واستئصال وإبادة.
وهي مهزومة إنسانيًا وقد بدا عجز الحركات الإنسانية اليهودية، واليسار، ودعاة السلام من الإسرائيليين، عن مجرد الإعلان عن اعتراضهم وشجبهم وتنديدهم -ولو على الطريقة العربية- بما يفعله السفاح المتعطش الى الدماء وكلما كانت فلسطينية كانت بالنسبة إليه أشهى وألذ.
وتعاني «إسرائيل» اليوم ودون أدنى قدر من الشك من أكبر هزيمة لحقت بها، من خلال انهيار صورتها المرسومة في الذهن العام العالمي بريشة السحر الإعلامي الهوليوودي، وانكشف هذا القناع المزيف من الادعاءات اليهودية والصهيونية عن حقائق يراها العالم رغم أنف التعتيم الإعلامي والاستغباء الجماعي للعقل الأوروبي ومحاولة تجديد عمليات غسل الدماغ الجماعية التي تجرى عليه.
وتتجلى هزيمة «إسرائيل» اليوم وبصورة جلية في استعراض القوة الذي يجري تحت سمع ويصر عالم كان قد استسلم لهذا الاستكبار «اليهوأمريكي»، فلجأ الى القوة العمياء التي لم تستطع قط أن تحقق نصرا في معارك الأمم والحضارات، ولعل «إسرائيل» ومعها ومن ورائها وأمامها الولايات المتحدة، لم تكن قط بحاجة إلى درس في التاريخ كما هو الحال اليوم، وليعد أصحاب التوراة والإنجيل إلى كتبهم ليقرءوا بعين فاحصة كل استعراضات القوة التي استخدمت ضد بني إسرائيل أنفسهم والتي لم تستطع القضاء عليهم ولا اجتثاثهم، وليعد أصحاب نظريات العولمة إلى التاريخ ليروا أن القوة قط لم تغلب الحق، وأن سبعين عامًا من الذبح الشيوعي المتواصل للأمم والشعوب لم تحل دون حياة هذه الشعوب التي قضت على الشيوعية ودفنتها في مزبلة التاريخ، وأن أربعين عامًا من حكم الجنرال فرانكو لإسبانيا بالنار والحديد لم تحل دون أن يبصق التاريخ على قبر الجنرال، وأن لك القصر الجمهوري في تشيلي وقتل الرئيس الليندي، لم يحل دون محاكمة قاتله ولو بعد حين.
ليعد أصحاب القوة إلى التاريخ والجغرافيا وعلوم الاجتماع ليعرفوا أن القوة الغاشمة لا تحول الحق إلى باطل، ولا تستطيع أن تمنح أبدأ الباطل أي مشروعية، والأخطر من هذا وذاك أنها لم تقنع أصحاب الحق بالعدول عن حقهم حتى لو فنيت أجيال وأجيال في سبيل الدفاع عنه.
حقيقة لا يكاد يختلف عليها اثنان، فعلى الرغم من تأخر وسائل الإعلام الغربية عامة والإسبانية بشكل خاص عن التفاعل مع ما يحدث في الأراضي المقدسة من عدوان غاشم وحشي على الشعب الفلسطيني شبه الأعزل في محاولة مستميتة لاجتثاث السلطة والزعامات الفلسطينية بهدف القضاء على مشروع الدولة الفلسطينية التي لا تعني أكثر من فشل المشروع الصهيوني في مد حدوده من الفرات إلى النيل بله عجز هذا المشروع عن الاستيلاء على فلسطين بكاملها وقد كانت جولدا مائير تتساءل بالأمس عن هذه الكلمة «فلسطين» وتقول إنها لا تعرف مكانًا بهذا الاسم.
على الرغم من استيقاظ بعض الضمائر الأوروبية متأخرًا، لكنها عندما استيقظت لم تخرج عن الاعتراف بهذه الحقيقة التاريخية الإنسانية وها هو «أنطونيو غالا» أحد كبار الأدباء وصناع الرأي الإسبان يقول في صحيفة «الموندو» الصادرة يوم ٢/ ٤/ ٢٠٠٢.
«وعلى الرغم من لامبالاة الدول الغربية بما يجري في الأرض المقدسة، فإن العالم كله يشهد هناك في حنايا الإسلام أكبر قدر من الظلم والإهانة ضد أمة، إلا أن الأمة العربية ومعها الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا -كما يقول- تغلي، وشيء ما سينتج عن هذا الغليان، فادعوا الرب معي ألا يصب فيما لا تحمد عقباه، ليدعوها بأي الأسماء شاءوا هذه الحرب الموقدة في الشرق الأدنى، فإن إسرائيل لن تنتصر فيها أبدًا.
ويذكرني هذا بذلك الشاعر الإسلامي الذي صاح في وجه آلة البطش العربية التي اشتغلت خمسين عامًا بقمع شعوبها عن الإعداد ليوم الذل هذا الذي تعيشه الأمة، حيث قال:
تالله ما الدعوات تهزم بالأذى أبددًا وفي التاريخ بر يميني
ضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصار فكري ساعة أو حصر إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي حافظي ومعيني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل