العنوان أبجديات في طريق العمل الإسلامي الصحيح (3) النبع الصافي
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999
مشاهدات 130
نشر في العدد 1341
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 09-مارس-1999
نقوش علي جدار الدعوة
«هل نحن - الآن - في حاجة إلى تذكير الأمة بواجباتها نحو نفسها ونحو أبنائها بعد أن تناول كثير من أصحاب الأقلام مثل هذه الموضوعات؟».
إن ظهور أكثر الأنبياء في الشرق، وأغلب الفلاسفة في الغرب رمز للقدر الإلهي بأن الذي يستنهض الشرق ويقومه إنما هو الدين والقلب، وليس العقل والفلسفة، فما دمتم قد أيقظتم الشرق ونبهتموه فامنحوه نهجًا ينسجم مع فطرته، وإلا ستذهب مساعيكم هباءً منثورًا، أو تظل سطحية مؤقتة «رجل القدر، ص 102».
الشرق مهد الأديان، فروحه متشعبة بالإيمان، وقلبه أشرب باليقين والاطمئنان، وهما «الروح والقلب» سر كل نهضة شرقية، فما من نهضة حقيقية فيه إلا وللروح مكانها فيها، وللقلب حياته وهيمنته على جوانبها، وإذا خلت حركة الشرق وتعاملاته يومًا من أثر الروح والقلب، فإن العفاء غير بعيد عنه، ولقد ارتبطت حركة الشرق قوة وضعفًا بحركة الروح السارية فيه، فإن هيمن وملك على الروح أقطارها، ورسم لها مسلكها في الحياة، قويت الأمة ولو لم تملك كل المقومات المادية.
هذا ما حدث في صدر الإسلام يوم قويت الروح الدينية في الأمة فاجتاحت أمامها سدودًا وحدودًا عديدة، وانساحت في ممالك جديدة لم تكن القوة الإسلامية أكثر منها عددًا، ولا أشد منها بأسًا، ولا أقوى شكيمة، ولكن هذه القوى المعادية كانت قد بلغت مرحلة متقدمة من شيخوخة الروح فلم تثبت أمام المسلمين الذين يملكون روحًا قوية صنعها الإسلام، ويملكون وعيًا وفهمًا جيدًا لمواجهة الآخرين في ميادين القتال، ويدركون أنهم إنما يعملون لبناء حياة يحكمها منهج الله، فأثمر عملهم نهضة إسلامية في كل الجوانب، ظلت تنمو وتمتد وتتواصل حتى بلغت غايتها في القرن الرابع الهجري، فكانت الثمرة الحضارية فيه نتيج الروح القوية التي دفعت أصحابها منذ مجيء الإسلام إلى الجد والبناء والاجتهاد في كثير من الميادين، وحين بلغت مظاهر الحضارة الإسلامية غاية رقيها في القرن الرابع كانت الروح الباعثة قد ضعفت وفترت وانعكس ذلك على أعمالها الحضارية التي ظلت تتدهور حتى العصر الحديث، دون أن يفلح في إنقاذها من الضعف والتدهور، أمصال عديدة جلبها البعض من البلاد الغربية ذات الحضارة المادية الحديثة على أمل أن ينهض بها الشرق، ولكن النهضة لم تتم واليقظة لم تتسع، لأن بناء النهضة الغربي بني على قواعد وأسس غير موافقة لطبيعة الشرقيين، وإن وافقت طبيعة الغربيين.
إن الحضارة الحديثة تقوم على العقل وتعنى به أشد العناية، ولا تلقي بالًا للروح ولا تعطيها حظها أو بعض حظها من الاهتمام، فالعلم هو أساس كل حركة وله القيادة في كل مضمار، ثم تأتي المظاهر المادية المترتبة على هذا العلم في أوجه النشاط المختلفة لتسوق الإنسان نحو غاية بعينها، لا مكان فيها لقلبه، ولا عناية بروحه حتى ضمر قلبه وذبلت روحه، ونما عقله نموًا عظيمًا، وبرزت عضلات جسمه بحيث يراها كل إنسان.
ورغم التقارب العصري في وسائل المواصلات والاتصالات فإن ذلك لا يلغي طبيعة الشعوب، فسوف يبقى الشرق شرقًا والغرب غربًا، لكل منهما طبيعته ولكل منهما سماته وصفاته.
فالشرق يقوم أول ما يقوم على الروح الدينية وعلى إحياء النوازع الأخلاقية، والتمسك بالقيم والفضائل الإنسانية، والعلم يأتي تبعًا لذلك بحيث تخفف من جفوة العلم الروح الإنسانية السمحة التي تعرف التسامح حتي في البيع والشراء، والأخذ والعطاء.
والغرب يقوم أول ما يقوم على العقل والعلم والمادة، وفي سبيل ذلك تلغى القيم أو تبقى وتمحى معالم الإنسانية أو تبقى، لا يهم ذلك - عندهم - طالما أن العقل يعمل، والعلم تظهر ثماره ونتائجه، ويحصد الناس مردود عمله من الماديات الكثيرة في حياتهم.
وهذه البدهيات تدفع بنا دفعًا قويًا للأخذ بشرع الله والاحتكام إلى شريعته، حتى نحيي في الأمة بواعث النهضة.
إن المنهج الإسلامي أثبت أنه هو الذي يستقيم مع فطرة الناس، وأنه المحرك الأساسي للناس في الشرق الإسلامي، وهو أحد أبرز أسباب الانتصار على الأعداء في حطين وعين جالوت وغيرهما من المواقع والمعارك، فلماذا نترك العلاج المجرب ونجري وراء علاج غير مأمون العواقب نجلبه من هنا أو هناك؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل