العنوان آلام وآمال: من ضوابط العمل السياسي الإسلامي (٢من ٢)
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1995
مشاهدات 91
نشر في العدد 1160
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 01-أغسطس-1995
الحرية
تشكل مقولة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا» جوهر الحرية حيث يولد الناس جميعهم أحرارًا، فهم على الحرية يشبون، وفي جوِّها يترعرعون، ولا تزال تظلل حياتهم حتى يفارقوا الأرض ومن عليها .
وبطبيعة الحال فليست هناك حرية مطلقة بغير ضوابط، وإلا كانت هي الفوضى بعينها، وانحط أصحابها إلى درك البهيمية التي لا هم لها غير ملء البطون وقضاء الشهوات.
وما من دولة من الدول أو فئة من الناس تحتكم إلى قوانين أو عادات أو أعراف إلا وهناك ضوابط ملزمة للفرد والجماعة؛ حتى لا تتعارض الحريات فتتصادم، فتكون الفتن والفوضى والفساد.
● مراعاة أصول الإسلام:
وتختلف الدول والأفراد في فهمهم ووضعهم لضوابط الحرية بحسب معتقداتهم وما به يدينون والحرية عندنا ـ نحن المسلمين ـ ضابطها العام إلا تخرج عن العقيدة الثابتة، ولا عن الشريعة المقررة التي يدين بها جماهير المسلمين وتأخذ في قلوبهم المكان الأسمى، فليس من الحرية في شيء مهاجمة الإسلام وأصوله الثابتة، بل إن هذا خروج من كل الضوابط التي تصون الحرية إلى الفوضى.
والدول على اختلاف أديانها ومعتقداتها لها ثوابت يقف أفرادها عند حد معين لا يتجاوزونه؛ لأن الدستور والقانون يأبيان ذلك، فمن تجاوز هذا الحد حوكم وعوقب وأدانه الناس، فلماذا يُغصّ الناس حين نقول ـ نحن المسلمين ـ إن حدود الحرية ينبغى أن تقف عند أصول الدين الثابتة، ومعتقداته الراسخة، ونظمه المقررة التي تلقاها الناس بالقبول عقودًا، بل قرونًا وقرونًا، وأجيالًا وراء أجيال، وإن أب تخرُّص في القول يمتهن هذه المقدسات ينبغي أن يوقفه حاكم المسلمين. وأن يحول قائله إلى القضاء ليرى فيه رأيه.
حرية الشهوات مرفوضة
إن حرية غير المسلمين في بعض جوانبها لا تلائم المسلمين، فالانطلاق الشهواني الذي انفلت عقاله في كل مكان خارج بلاد المسلمين بحجة الحرية الشخصية غير مقبول في بلاد المسلمين التي تدين بقول الله: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ﴾ (المؤمنون: ٥-6) ، وقبل أن يصل الناس إلى الاعتداء على الأعراض وضع الإسلام حواجز تصون وتمنع منها غض البصر: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ (النور: 30ـ٣١)، ومنع الإسلام إبداء الزينة من المرأة إلا أمام الزوج والمحارم: ﴿وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ (النور: ٣١)، ومنع الدلال والتكسر في الكلام: ﴿فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ﴾ (الأحزاب: ٣2) إلى آخر السدود والحواجز التي وضعها الإسلام؛ ليحافظ على الأعراض، وكلها لا أثر لها ولا وجود في غير بلاد المسلمين، فانطلقوا في الشهوات بصورة تجاوزت الحيوانات بحجة الحرية، وما هي بحرية، وإنما هي الفوضى التي لا تراعى نسبًا ولا صهرًاً، ولا رحمًا ولا قرابة.
مراعاة الثوابت لا تنفي حرية العقيدة
وإذا قلنا: إنَّ حرية الناس تقف عند حدود المعتقدات لا تتجاوزها ولا تتهجم عليها فإننا نقرر ما أكَّده الإسلام من أن الناس أحرار حتى في معتقداتهم: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ﴾ (البقرة: ٢٥٦) ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ (يونس: ٩٩).
وأن الناس أحرار في آرائهم، ليس هناك حجر عليها فإن كانت صوابًا انتفع بها الناس، وإن كانت خطأ رد صاحبها إلى الصواب بالحسنى واللين لا بالعنف والشدة، وقد طبق المسلمون الأولون ذلك أعظم التطبيق، وتاريخ الإسلام شاهد بما نقول، والقاعدة الإسلامية الذهبية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي كانت على مدى تاريخ تطبيقها أداة إصلاح جيدة، تنفي الخبث وترسي قواعد الخير والمعروف والإصلاح بين الناس من أقوى الأدلة على حرية الناس في إظهار آرائهم، وبيان ما يحبون أن يكشفوا عنه من أقوالهم.
إن الحرية في الإسلام حرية ملتزمة بما أرسته الشريعة، فليس من الحرية الاعتداء على أموال الناس، وليس من الحرية الاعتداء على أعراضهم، وليس من الحرية الإرجاف من الشائعات وقذف المحصنات، وليس من الحرية الإضرار بالناس بأي لون من ألوان الإضرار بناء على القاعدة المتبعة: «لا ضرر ولا ضرار».
إن الحرية في الإسلام حرية البناء لا الهدم حرية النظام لا الفوضى، حرية الإصلاح لا الإفساد والإضرار، حرية ملتزمة بالضوابط الشرعية الخلقية لا تنفك عنها، فمن خرج عن ذلك قلنا له: توقف إنك تخطيت حاجز النظام، فعد إليه مرة أخرى، وإلا أصبت الناس بالأضرار وأصابوك بها.
وليست تقف الحرية في الإسلام عند ما قررناه وحده، بل إنها لتتجاوز ذلك إلى كثير من جوانب الحياة التي يعيشها الإنسان فلا يَظلم ولا يُظلم، ولا يُهان ولا يُذل، ولا يضيع له حق بين المسلمين، ولا يقصر في واجب نحوهم، فيأمن على ماله ونفسه وولده وعمله وكسبه، فيسعد في مجتمعه وبين إخوانه، فأين من هذه الحرية ما يطلق عليه «حرية» عند الآخرين؟