العنوان المسلمون بين الواقع الأليم والأمل العظيم
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1995
مشاهدات 93
نشر في العدد 1147
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 25-أبريل-1995
الأمل لا ينقطع في عودة الإسلام إلى سابق
عهده، حين عزّ المسلمون بدينهم، فدانت لهم الأرض، وخطب ودهم الناس، ونظر خليفتهم
إلى السحابة المارة فوقه قائلًا لها: «أمطري حيث شئت، فإن خراجك سيحمل إلينا».
وهذا الأمل بشّر به الرسول صلى الله عليه وسلم حين عدد ألوان الحُكْم التي تمر بها
الأمة الإسلامية من النبوة إلى خلافة راشدة إلى ملك عضوض ثم إلى ملك جبريّ إلى أن
قال: «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة»، فهذا الذي بشر به الرسول صلى الله عليه
وسلم لا يغيب لحظة عن وجدان كل مسلم علمه، برغم تكاثف الظلمات التي تحيط بعالمنا
الإسلامي المعاصر، والتي تكاد تصيب النفوس باليأس والقنوط لولا بقية الأمل
المستندة إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم، فمشاكل الأقليات المسلمة في أطراف
العالم الإسلامي في بورما وتايلاند وكشمير والطاجيك وغيرها؛ حيث هُجّر مئات الألوف
من هؤلاء إلى حيث لا مأوى صالح، ولا هدف واضح، ولا غذاء موجود، ولا عمل ميسور،
هجّروا إلى المجهول الذي ينتظرهم، فإذا ما وصلوا إليه كانت نفوسهم محطمة بعد أن
فقدوا الآباء أو الأبناء أو النساء أو الأزواج أو الأعراض.
فعاشوا في التيه واليأس حتى تمتد إليهم يد من
هنا أو من هناك بكسرة خبز أو قطعة ثوب أو حبة دواء، ويكاد أمر الأقليات هذه يمتد
إلى القرب من وطننا العربي؛ حيث «أبناء الطوارق» المسلمون ينالهم ما ينال غيرهم في
أطراف العالم الإسلامي إن لم يكن أشد.
ومشاكل الدول الإسلامية المستقلة عمّا يسمى
«الاتحاد السوفيتي» سابقًا مشاكل عديدة تحتاج إلى أجيال وأجيال وأعمال وجهود
مخلصة؛ حتى تتخلص من آثار العدوان الشيوعي، الذي استمر عقودًا فوق صدرها وأرضها.
ومشاكل الدول الإسلامية الداخلة ضمن «الاتحاد
الروسي» تبلغ المأساة الدامية، وتصل إلى ذروتها في الشيشان؛ حيث يتبع الروس في
حربهم سياسة الأرض المحروقة، تلك التي تقضي على الأخضر واليابس، وهل أتاك -أخي
القارئ- نبأ البوسنة والهرسك بما يحدث فيهما من اعتداء لا يكاد يهدأ حتى يشتعل
مستغلًا في ذلك الضمير الذي مات لعالم اليوم؛ حيث يستصرخ المسلمون ولا مغيث.
هذا فضلًا عن «إسرائيل» التي تزحف على عالمنا
في زمن السلام بما لم تستطع أن تفعله في زمن الحرب.
وتكاد تفرض هيمنتها على كثير من دول المنطقة،
فإذا أضفنا إلى ذلك مشاكل التخلف، وتراجع التنمية والإنتاج، وفشوّ السلبية بين
الناس في عالمنا الإسلامي؛ تكاثفت الظلمات، وكادت تحيط بالنفوس لولا الأمل المستمد
من الدين، الذي يجعلنا نردد مع القائلين:
لبيك ما
قام أمر في
الكون عسرًا ويسرا
والليل
إن طال ربي فأتبع
الليل فجرا
وأملنا في بلادنا الإسلامية وتقدمها ورقيها
ليس مبنيًّا على سراب، وإنما هو مستمد من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد
كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع: يا نجيح، يا راشد، جاء ذلك في حديث أنس، وجاء
في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح». وكان ابن
عباس يفسر الفأل الصالح بأنه حسن الظن بالله، وقد ظل صلى الله عليه وسلم متفائلًا
بظهور دعوته وانتشارها في كل وقت، لم يتخلَّ عنه هذا التفاؤل في أشد الأوقات ظلمة،
يوم أوذي مع صحابته، ويوم هاجر من البلد الأمين. وعلى المسلم أن يتخذ لنفسه من
الرسول e قدوة في كل أمر على وجه العموم، وفي التفاؤل حين تضيق الأمور على
المسلمين على وجه الخصوص، واضعًا أمام عينيه قول الله: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن
رَّوْحِ اللَّهِۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ
الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87). ولقد كان هذا دأب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فحين زلزلوا زلزالًا شديدًا في غزوة الأحزاب قالوا ما حكاه عنهم القرآن الكريم:
﴿هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا
زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22). كان الثبات على المبدأ
والصبر عليه والعمل من أجله، وبذل كل شيء في سبيله دأبهم فنصرهم الله وأعزهم، وهذه
بعض معالم التغيير نحو النهضة الإسلامية المرتقبة: الثبات على دين الله، والصبر
على ما يصيبنا في سبيله، والعمل والبذل من أجل إظهاره للناس في صورته الصحيحة
النقيّة الشفافة، التي تطمئن لها وبها قلوب المؤمنين، وحينئذ نردد:
أخي
ستبيد جيوش الظلام ويشرق
في الكون فجر جديد
فأطلق
لروحك أشواقها تر
الفجر يرمقنا من بعيد
ولئن ظهرت أمام أعيننا بعض أمارات اليأس
والقنوط، فإنها لا تتعدى أبصارنا إلى قلوبنا؛ لأننا نثق بقول الله: ﴿فَإِنَّ مَعَ
الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5)، كما ورد في الحديث، وإذا ضاقت الأمور فهي إلى
انفراج، وإذا اشتد الظلام ففي نهايته فجر يضيء ويشرق.
ولرب
نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا
وعند الله منها المخرج
ضاقت
فلما استحكمت حلقاتها فرجت
وكنت أظنها لا تفرج
وما علينا إلا الثبات على دين الله، والعمل من
أجله، والبذل في سبيله، والصبر على ما يصيبنا فيه، ونحن واثقون أن الخلافة التي
على منهاج النبوة آتية لا محالة، وحينئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
وقد سُئل علماؤنا الأفاضل: هل يموت الإسلام؟، فأجابوا: لا، لا يموت الإسلام، ولكنه يمرض، والمريض يبرأ -إن شاء الله، ولسوف يبرأ الإسلام مما لحق به في عصور الضعف والتخلف؛ ليكون عملاقًا يملأ بنوره الأرض.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل