العنوان آفات على الطريق (28) (4 من 4)- علاج الانهزام النفسي
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
مشاهدات 2
نشر في العدد 1123
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
- الثقة
في الله ومنهجه واستشعار نعمه الظاهرة والخفية في الكون يدفع إلى الثقة
بالنفس ويخلصها من الانهزام.
- تجنب
انتقاص الآخرين وتعقيدهم وتوجيه كل فرد إلى العمل الذي يناسب جهده وطاقته
يدفع غوائل الانهزام النفسي.
وفي ضوء ما قدمنا من أسباب وبواعث للاحتقار أو الانهزام النفسي، يمكن وصف العلاج بل الوقاية، وذلك على هذا النحو:
1- شغل أوقات الفراغ، والقضاء على البطالة بكل
ما هو نافع ومفيد، وميادين الحياة باتساعها وتنوعها تجعل لكل واحد من الناس وظيفة
وعملًا، ومن لا يصلح لهذا العمل يصلح لذاك، وهكذا كانت سيرته ﷺ مع أصحابه، لا
يدعهم في بطالة أو فارغين من العمل، ويحرص على أن يكون كل واحد في العمل الذي
يتناسب مع جهده، وطاقاته، وإمكاناته، وبهذا حماهم من الاحتقار أو الانهزام النفسي.
2- تجنب انتقاص الآخرين، وتحقيرهم ما أمكن كي
نغلق الباب بذلك في وجه من يسوّلون أو يزينون للمرء الاحتقار أو الانهزام النفسي.
3- الانسلاخ من الوسط المعروف بالاحتقار
والانهزام النفسي، ثم الارتماء بين الوسط المعروف بالقوة، والشجاعة، والثقة بالله،
وبمنهجه، وبرسوله، وبالنفس، فإن ذلك من شأنه أن يعين على التخلص، بل الوقاية من
الاحتقار أو الانهزام النفسي.
4- العمل بكل وسيلة ممكنة على إخراج حب الدنيا
من القلوب ولا بأس أن تصير هذه الدنيا في اليد، ما دامت من حلال، وما دامت بعزة
نفس، وبغير تكالب، وما دام تعاطيها وسطًا بين الإسراف والتقتير، ولا يضيع حق الله
فيها، فإن المرء إذا نجح مع نفسه في هذا الباب، سهل عليه التخلص بل الوقاية من
الاحتقار أو الانهزام النفسي.
5- مواجهة من يعملون على إضعافنا والنيل منا،
بالعمل الدؤوب مع الإتقان والجد تجنبًا للفشل والإخفاق من ناحية، ومقابلة للوسيلة
العملية المتقنة عند هؤلاء بمثلها من ناحية أخرى.
6- منح الناس حقهم في التعبير عن آرائهم، وعما
بداخلهم، وتقديم ذلك على الطعام، والشراب، واللباس، والسكن، فإن هذا من شأنه أن
يقضي على الاحتقار أو الانهزام النفسي، وربما أسهم في غرس الثقة في النفوس من
جديد، وما ذلك على الله بعزيز.
7- التعرف عن قرب على الله، وعلى رسوله، وعلى
منهجه، بدوام النظر في آيات الله المنظورة والمسطورة، فإن هذا من شأنه أن يزرع
الثقة في النفوس، بعد أن يخلصها من الاحتقار أو الانهزام النفسي.
8- استشعار نعمة الله في الكون، وفي النفس،
الظاهر منها والباطن، الدقيق منها والجليل، والقرآن الكريم يقودنا عمليًا إلى ما
ينبغي أن نستشعره ونبصره من هذه النعم، بل يقودنا إلى الثمرة المرجوة من وراء ذلك،
وهي معرفة الله، والثقة به، وبمنهجه، والنزول على حكم هذا المنهج في كل شيء عن
طواعية ورضى.
9- الاحتراز من المعاصي والسيئات صغيرها
وكبيرها، ظاهرها وباطنها، مع الحرص على الإنابة، والتوبة عند اقتراف شيء منها فإن
هذا من شأنه أن يطهر النفس، ويزكيها، ويمنحها الثقة والقوة.
10- دوام النظر في قصص النبيين، وخاتمهم محمد
ﷺ وأتباعهم من الدعاة والمجاهدين، وحسبنا قصة موسى -عليه السلام- حين خرج من مصر
ومعه قومه من بني إسرائيل، وتبعهم فرعون وقومه وبوغتوا بالبحر، وأصبحوا محصورين
بين البحر، وبين العدو حتى قال قائلهم إنا لمدركون، ولكن موسى بقي قويًا ثابتًا
بتثبيت الله له معلنًا أن الله لن يتركه، ولن يتخلى عنه لحظة واحدة، وصدق الله ما
أعلنه حين قال: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَۖ
فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ
الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ
أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ (الشعراء: 63- 66).
وبقيت محلًا للعظة والعبرة إلى يومنا هذا وحتى
قيام الساعة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً...﴾ (الشعراء: 67). وحسبنا أيضا موقفه ﷺ يوم
الهجرة حين قال الصديق: «يا نبي الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا»، فرد عليه
قائلا: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا» وصدق الله
ذلك في قوله: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ
الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ
لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ
عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ
كَفَرُوا السُّفْلَىٰۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَاۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ﴾ (سورة التوبة: 40).
وموقفه كذلك من سراقة بن مالك يوم الهجرة حين
قال له: «هل لك أن تكتم عني، وأعدك بسواري كسرى»؟
ربعي ورستم
وقديمًا لما قدم ربعي بن عامر في بساطته لباسًا
ومركبًا على الفرس يريد الدخول على رستم حين طلب رجلا نعرف منه ماذا يريد
المسلمون، دخل في سلاحه يدوس بفرسه البسط إلى أن انتهى إلى آخرها ونزل عنها وربطها
بوسادتين، وأراد الدخول على رستم، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال -في عزة وإباء: إني
لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم إلا كما أريد، وإلا
رجعت. فأخبروا رستم، فقال: ائذنوا له، هل هو إلا رجل واحد؟
فأقبل يتوكأ على رمحه حتى خرق النمارق والبسط،
فلما دنا من رستم تعلق به الحرس، وجلس على الأرض، وركز رمحه بالبسط، فقالوا: ما
حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه، فكلمه، فقال: ما جاء بكم؟
قال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج مَنْ شَاء مِنْ عبادة العباد إلى عبادة
الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه
إلى خلقه، لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه، ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه
أبدًا، حتى نفضي إلى موعود الله. قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على
قتال من أبى، والظفر لمن بقى.
فقال رستم: لقد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن
تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه، وتنظروا؟ قال: نعم كم أحب إليكم؟ يومًا، يومين؟
قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا، ورؤساء قومنا. فقال: ما سن لنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند لقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك، وأمرهم،
واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل.
فقال رستم: أسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمين
كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤساء قومه، فقال: هل رأيتم
قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟ فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا، وتدع
دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه؟
فقال: ويلكم، لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا
إلى الرأي، والكلام، والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب(1).
وما كان ربعي بن عامر فريدًا في هذه العزة،
والقوة النفسية بل كان كل الصحابة هكذا، وتوارثها المسلمون كابرًا عن كابر، حتى
كانت عصور الضعف والانحطاط، فتغيرت الصورة، وتبدل الموقف، وجاءت الحركة الإسلامية،
وإذا العزة تبعث من جديد، وإذا القوة النفسية هي الأصل والأساس في الانتماء لهذه
الحركة.
حافظ عبدالحميد ومسيو سولنت
جاء في مذكرات الدعوة والداعية قول واضعها،
ومشيد أركانها، تحت عنوان: «نماذج من تصرفات الرعيل الأول»:
«كان هؤلاء الإخوة مثلًا رائعًا، ونماذج طيبة
من التمسك بأحكام الإسلام الحنيف في كل تصرفاتهم، والتأثر بأخلاقه، ومشاعره فيما
يصدر عنهم، من قول أو عمل، سواء أكان ذلك مع أنفسهم، أو مع غيرهم من الناس. استدعى
المسيو سولنت باشمهندس القنال -يعني قناة السويس بمصر- ورئيس قسم السكسيون الأخ
حافظ عبدالحميد -أحد الستة الأول الذين كانوا نواة الحركة الإسلامية في مصر- في
«ذي القعدة 1347هـ مارس 1928م» ليصلح له بعض أدوات النجارة في منزله، وسأله عما
يطلب من أجر، فقال: (130) قرشًا «بالعملة المصرية»، فقال المسيو سولنت: بالعربي
-أنت حرامي- فتمالك الأخ نفسه، وقال له بكل هدوء: ولماذا؟ فقال: لأنك تأخذ أكثر من
حقك، فقال له: لن آخذ منك شيئا، ومع ذلك، فإنك تستطيع أن تسأل أحد المهندسين من
مرؤوسيك، فإن رأى أنني طلبت منك أكثر من القدر المناسب فإن عقوبتي أن أقوم بالعمل
مجانًا، وإن رأى أنني طلبت ما يصح أن أطلب فأسامحك في الزيادة.
واستدعى الرجل فعلا مهندسًا، وسأله، فقدر أن
العمل يستوجب (200) قرش، فعرفه المسيو سولنت، وأمر الأخ حافظ أن يبتدئ العمل، فقال
له: سأفعل، ولكنك أهنتني، فعليك أن تعتذر، وأن تسحب كلمتك، فاستشاط الرجل غضبًا،
وغلبه الطابع الفرنسي الحاد، وأخذته العزة بالإثم، وقال: تريد أن أعتذر لك، ومن
أنت؟ لو كان الملك فؤاد نفسه -يقصد حاكم مصر آنذاك- ما اعتذرت له! فقال حافظ في
هدوء أيضا: وهذه غلطة أخرى يا مسيو سولنت، فأنت في بلد الملك فؤاد، وكان أدب
الضيافة وعرفان الجميل يفرضان عليك ألا تقول مثل هذا الكلام، وأنا لا أسمح لك أن
تذكر اسمه إلا بكل أدب واحترام.
فتركه، وأخذ يتمشى في البهو الفسيح، ويداه في
جيب بنطلونه، ووضع حافظ عدته، وجلس على كرسي، واتكأ على منضدة، وسادت فترة هدوء لا
يتخللها إلا وقع أقدام المسيو الثائر الحائر، وبعد قليل، تقدم من حافظ، وقال له: افرض
أنني لم أعتذر إليك فماذا تفعل؟ فقال: الأمر هين، سأكتب تقريرًا إلى قنصلكم هنا،
وإلى سفارتكم أولًا، ثم إلى مجلس إدارة قناة السويس بباريس، ثم الجرائد الفرنسية
المحلية والأجنبية، ثم أترقب كل قادم، من أعضاء هذا المجلس، فأشكوك إليه، فإذا لم
أصل إلى حقي بعد ذلك، استطعت أن أهينك في الشارع، وعلى ملأ من الناس، وأكون بذلك
قد وصلت إلى ما أريد، ولا تنتظر أن أشكوك إلى الحكومة المصرية التي قيدتموها
بسلاسل الامتيازات الأجنبية الظالمة، ولكني لن أهدأ حتى أصل إلى حقي بأي طريق.
فقال الرجل: يظهر أنني أتكلم مع «أفوكاتو -أي
محام- لا نجار».
ألا تعلم أنني كبير المهندسين في قناة السويس،
فكيف تتصور أن أعتذر لك؟ فقال حافظ: وألا تعلم أن قناة السويس في وطني، لا في
وطنك، وأن مدة استيلائكم عليها مؤقتة، وستنتهي، ثم تعود إلينا، فتكون أنت وأمثالك
موظفين عندنا، فكيف تتصور أن أدع حقي لك؟ وانصرف الرجل إلى مشيته الأولى.
وبعد فترة عاد مرة ثانية، وعلى وجهه إمارات التأثر،
وطرق المنضدة بيده في عنف مرات، وهو يقول: أعتذر يا حافظ سحبت كلمتي، فقام الأخ
حافظ بكل هدوء، وقال: متشكر یا مسیو سولنت، وزاول عمله حتى أتمه.
وبعد الانتهاء أعطاه المسيو سولنت (150)
قرشًا، فأخذ منها (130) قرشا ورد له العشرين، فقال له خذها: بقشيشًا -أي إكراما-، فقال:
لا، لا، حتى لا آخذ أكثر من حقي، فأكون «حرامي» فدهش الرجل، وقال: إني مستغرب
لماذا لا يكون الصناع أولاد العرب مثلك؟ أنت: «فاميلي محمد».
فقال حافظ: یا مسیو سولنت كل المسلمين «فاميلي
محمد»، ولكن الكثير منهم عاشروا الخواجات، وقلدوهم ففسدت أخلاقهم!
فلم يرد الرجل بأكثر من أن مد يده مصافحًا،
قائلًا: متشكر، متشكر، كثر خيرك، وفيها الإذن بالانصراف(2).
الشيخ فرغلي ومسيو فرانسو
وقال تحت عنوان: «الدعوة في جباسات البلاح»: «اتصل
بعض عمال الجباسات، الفضلاء بالإخوان بالإسماعيلية، فنقلوا عنهم الفكرة إلى
إخوانهم، ودعيت إلى زيارة الجباسات، وهناك بايعت الإخوان على الدعوة، فكانت هذه
البيعة نواة الفكرة في هذا المكان النائي».
وبعد قليل طلب العمال من الشركة أن تبني لهم
مسجدًا إذ كان عددهم أكثر من ثلاثمائة عامل، وفعلا استجابت الشركة لمطلبهم، وبني
المسجد، وطلبت الشركة من الجماعة بالإسماعيلية انتداب أخ من العلماء يقوم بالإمامة
والتدريس.
فانتدب لهذه المهمة فضيلة الأخ المفضال
الأستاذ محمد فرغلي -المدرس بمعهد حراء آنذاك (أحد الذين أعدمتهم ثورة يوليو (المباركة)
في مصر عام 1954م بعد حادثة المنشية الملفقة).
وصل الأستاذ فرغلي إلى البلاح، وتسلم المسجد،
وأعد له سكن خاص بجواره، ووصل روحه القوي المؤثر بأرواح هؤلاء العمال الطيبين، فلم
تمض عدة أسابيع وجيزة حتى ارتفع مستواهم الفكري، والنفساني، والاجتماعي ارتفاعًا
عجيبًا.
لقد أدركوا قيمة أنفسهم، وعرفوا سمو وظيفتهم
في الحياة، وقدروا فضل إنسانيتهم، فنزع من قلوبهم الخوف، والذل، والضعف، والوهن، واعتزوا
بالإيمان بالله، وبإدراك وظيفتهم الإنسانية في هذه الحياة -خلافة الله في أرضه-
فجدوا في عملهم اقتداء بقول الرسول ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن
يتقنه».
ثم عفّوا عما ليس لهم، فلم تأسرهم المطامع
التافهة، ولم تقيدهم الشهوات الحقيرة، وصار أحدهم يقف أمام رئيسه عالي الرأس في
أدب، شامخ الأنف في وقار، يحدثه في حجة ومنطق، لا يقول ولا يقبل منه كلمة نابية،
أو لفظة جافية، أو مظهرًا من مظاهر التحقير، والاستصغار، كما كان شأنهم من قبل.
وتجمعوا على الأخوة، واتحدوا على الحب والجد،
والأمانة، ويظهر أن هذه السياسة لم تعجب الرؤساء، وقرروا أنه إذا استمر الحال على
ذلك ستكون السلطة كلها لهذا الشيخ، ولن يستطيع أحد بعد ذلك أن يكبح جماحه، وجماح
العمال..
ظن الرؤساء هذا في الشركة، وفكروا في إقصاء
هذا الشيخ القوي الشكيمة عن العمل، وأرسل إليه الرئيس المباشر، فلما توجه إليه قال
له: إن المدير أخبرني بأن الشركة قد استغنت عن خدماتك، وأنها تفكر في انتداب أحد
العمال للقيام بعملكم في المسجد، وهذا حسابكم إلى اليوم حسب أمر المدير.
فكان جواب الشيخ له بكل هدوء: ما كنت أظن يا
مسيو فرانسوا أنني موظف بشركة جباسات البلاح، ولو كنت أعلم هذا ما قبلت العمل
معها، ولكني أعلم أنني موظف من قبل الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، وأتقاضى مرتبي
منهم محولاً عليكم، وأنا متعاقد معهم لا معكم على هذا الوضع، وأنا لا أقبل منك
مرتبًا، ولا حسابًا، ولا أترك عملي في المسجد، ولا بالقوة، إلا إذا أمرني بذلك
رئيس الجمعية التي انتدبتني هنا، وهو أمامكم في الإسماعيلية فاتفقوا معه كما
تريدون. واستأذن، وانصرف، وسقط في يد إدارة الشركة، وصبرت أياما، لعل الشيخ يطلب
منها مرتبه، ولكنه كان قد اتصل بي في الإسماعيلية، فأوصيته بالتمسك بموقفه، وألا
يدع مكانه بحال، وحجته معقولة، ولا شيء لهم عنده.
لجأت الشركة إلى الإدارة، واتصل مديرها المسيو
مانيو بمحافظ القنال الذي اتصل بدوره بالمأمور بالإسماعيلية، وأوصاه أن يقوم على
رأس قوة لعلاج الموقف، وحضر المأمور بقوته وجلس في مكتب المدير.
وأرسل في طلب الشيخ الذي اعتصم بالمسجد، وأجاب
الرسول: لا حاجة لي عند المأمور، ولا عند المدير، وعملي بالمسجد، فإذا كان لأحدهما
حاجة فليحضر لي. وعلى هذا فقد حضر المأمور إلى الشيخ، وأخذ يطلب إليه أن يستجيب
لمطالب المدير، ويترك العمل، ويعود إلى الإسماعيلية.
فأجاب بمثل ما تقدم، وقال له: تستطيع أن
تأتيني من الإسماعيلية بكلمة واحدة في خطاب فانصرف، ولكنك إذا أردت استخدام القوة،
فلك أن تفعل ما تشاء، ولكني لن أخرج من هنا إلا جثة لا حراك بها. ووصل النبأ إلى
العمال فتركوا العمل في لحظة واحدة، وأقبلوا متجمهرين صاخبين، وخشي المأمور
العاقبة، فترك الموقف، وعاد إلى الإسماعيلية، واتصل بي للتفاهم على الحل.
ولكني اعتذرت له بأنني مضطر إلى التفكير في
الأمر، وعقد مجلس إدارة الجمعية للنظر، ثم أجيبه بعد ذلك. وفي هذه الأثناء يؤسفني
أن أقول: إنني حضرت إلى القاهرة لمقابلة العضو المصري الوحيد في مجلس إدارة
الشركة، فوجدت منه كل إعراض عن مصالح العمال، وكل انحياز إلى آراء الشركة ومديرها،
وكل تجرد من أي عاطفة فيها معنى الغيرة الوطنية، قابلت بعد ذلك مدير الشركة،
وسألته عما ينقمه من فضيلة الشيخ، فلم أجد عنده إلا أنهم يريدون شخصًا يستسلم
لمطالبهم، وكان من كلامه: إنني صديق لكثير من زعماء المسلمين، ولقد قضيت في
الجزائر عشرين سنة، ولكني لم أجد منهم أحدًا كهذا الشيخ الذي ينفذ علينا أحكامًا
عسكرية، كأنه جنرال تمامًا. فناقشته في هذا الكلام وأفهمته أنه مخطئ، وأن الشركات
تقسو على العمال، وتنقص من حقوقهم، وتستصغر إنسانيتهم، وتبخل عليهم، وتقتر في
أجورهم، في الوقت الذي يتضاعف ربحها ويتكدس، وأن من الواجب علاج هذه الحال بعلاج
نظم هذه الشركات، ووجوب قناعتها باليسير من الربح.
واتفقنا أخيرًا على أن يبقى الأستاذ الشيخ
فرغلي شهرين حيث هو، وأن تقوم الشركة بتكريمه عند انتهاء هذه المدة، وأن تطلب
رسميًا من الإخوان من يحل محله من المشايخ، وأن تضاعف للشيخ الجديد راتبه، وتُعنى
بسكنه، ومطالبه، وفي نهاية المدة عاد فضيلة الشيخ فرغلي، وتسلم مكانه فضيلة
الأستاذ الشيخ شافعي أحمد، واستمرت الدعوة تشق طريقها في هذه الصحراء باسم الله
مجريها ومرساها(3).
إن مثل هذا القصص يولد في النفس معنى الاقتداء
والتأسي أو على الأقل المحاكاة والتشبه، وبمرور الزمن يمكن القضاء على الاحتقار أو
الانهزام النفسي.
11- النظر بإمعان ودقة في العواقب المترتبة
على الاحتقار أو الانهزام النفسي، الدنيوية والأخروية، الفردية والجماعية على
النحو الذي أسلفنا، فربما كان لذلك دور كبير في القضاء على الاحتقار أو الانهزام
النفسي.
12- وأخيرًا الاستعانة بالله، ودوام الضراعة
إليه أن يخلصه ويخلص كل مسلم من آفة الاحتقار أو الانهزام النفسي، وهو سبحانه يعين
من يصدق في الاستعانة به، واللجوء إليه، وفي الحديث أنه ﷺ كان كثيرا ما يدعو بهذا
الدعاء في الصباح والمساء:
«اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن
والهرم...» وفي رواية ثانية: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل،
والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال» وفي رواية ثالثة: «اللهم إني أعوذ بك من
الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من
غلبة الدين وقهر الرجال»(4).
13- قيام ولي الأمر بواجبه من رعاية نفسه
أولًا، وتربيتها على الإسلام الصحيح الذي يمنح العزة، والكرامة، والثقة بالنفس، ثم
فتح المجالات وحمايتها، ورعايتها لتربية الأمة جميعًا على هذا الإسلام، فيسهم بذلك
في اقتلاع جذور الاحتقار أو الانهزام من داخل النفس، ويغرس مكانها الشجاعة،
والقوة، والعزة النفسية.
14- عدم الانبهار بحاضر الأعداء في مدينتهم
المادية التي يعيشونها الآن، وعدم تقليدهم كذلك فيما هم عليه من تأخر وانحطاط
خلقي، مع اليقين أن هذا الحاضر إلى زوال لأنه مبني على غير أساس صحيح، وما كان
كذلك لا يدوم طويلًا، وأن الخير للمسلم أن يعيش حاضره المتميز على أساس من كتاب
الله، ومن سنة نبيه محمد ﷺ ومن ماضيه المشرق الزاهر، ومن العمل الصادق الدؤوب
بالليل والنهار حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فإن لذلك دورًا كبيرًا في القضاء
على الاحتقار أو الانهزام النفسي، ثم بناء النفس من جديد على معنى القوة والعزة
الإسلامية.
الهوامش
1- انظر حياة الصحابة للكاندهلوی 1/220- 221، 3/688-
690 نقلًا عن ابن جرير بتصرف كثير 302 - ص: 78 – 79- 108- 110.
2، 3- مذكرات الدعوة والداعية: ص78- 79- 108-
110.
4- الحديث بكل رواياته تقدم تخريجه في الجزء
الثالث ص 138- 139.
أستاذ الحديث وعلومه بكلية
الشريعة - جامعة الكويت