العنوان آفات على الطريق «27» الحلقة الثالثة أسباب تنافس الدنيا وآثاره وعواقبه
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1994
مشاهدات 72
نشر في العدد 1113
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 23-أغسطس-1994
8- الغفلة عن الموت والدار الآخرة:
وقد تكون الغفلة عن الموت والدار الآخرة من أسباب الوقوع في تنافس
الدنيا، ذلك أن من بقي متذكرًا أنه مهما طال به الأجل وامتد به العمر، فإنه ميت لا
محالة، وأنه راحل عن هذه الدار إلى الدار الآخرة حيث يلقى ربه، ويسأل عن كل شيء،
حتى عن النقير، والقطمير، بل وعن الكحل لمَ وضعه في عينه، والذر لم فتَّته؟ يقول
تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ
إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (السجدة: 11)، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 115)،
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(الحجر: 92 - 93)، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (التكاثر:
8).
ويقول ﷺ: "يا معاذ، إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى
كحل عينيه، وعن فتات الطين في أصبعه، فلا ألفينك يوم القيامة، وأحد غيرك أسعد بما
أتاك الله منك" (1)، "ما فوق الإزار، وظل الحائط، وخبز يحاسب به العبد
يوم القيامة، أو يُسأل عنه" (2).
وقال الصحابة يومًا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم
القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة؟"
قالوا: لا، قال: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، وليس في سحابة؟"
قالوا: لا، قال: "فوالذي نفسي بيده، لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون
في رؤية أحدهما، قال فيلقى العبد، فيقول: أي فُل -يعني يا فلان- ألم أكرمك،
وأسوِّدك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأدرك ترأس وتربع؟ (3)، فيقول: بلى،
قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى
الثاني فيقول: أي فل، ألم أكرمك وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأدرك
ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا، فيقول: إني
أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنت بك، وبكتابك،
وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، وتثني بخير ما استطاع. فيقول: ههنا إذًا، قال: ثم يقال
له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه،
ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من
نفسه؛ وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه" (4).
من بقي متذكرًا هذه الحقيقة فإنه يضع الدنيا في يديه، وتحت قدميه، ولا
يبالي أقبلت أو أدبرت. أما من نسي هذه الحقيقة فإنه يقيم للدنيا وزنًا، ويعمل لها
حسابًا، ويبذل قصارى جهده في تحصيلها ولو كان بالتسابق والتباري فيها، ولعل هذا من
بين الأسباب التي من أجلها دعا النبي ﷺ إلى دوام ذكر الموت والاستعداد للدار
الآخرة قائلًا: "أكثروا ذكر هادم اللذات -يعني الموت-" (5)،
"الكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، ثم
تمنى على الله" (6).
9 – الغفلة عن الآثار المترتبة على تنافس الدنيا:
وأخيرًا قد تكون الغفلة عن الآثار المترتبة على تنافس الدنيا دنيوية
أو أخروية، فردية أو جماعية، هي السبب في الوقوع في هذا التنافس، انطلاقًا من
مبدأ: إن من غفل عن الآثار الضارة المترتبة على أمر ما، ولم تكن لديه الحصانة
الكافية التي تحميه من الوقوع في هذا الأمر، فإنه يقع فيه لا محالة. ومن هنا كانت
الدعوة إلى الفقه في الدين على النحو الذي قدّمنا غير مرة فيما مضى من آفات.
رابعًا: آثار تنافس الدنيا:
ولتنافس الدنيا آثار ضارة وعواقب مهلكة دنيوية وأخروية، سواء على
العاملين أو على العمل الإسلامي. ودونك طرفًا من هذه الآثار وتلك العواقب:
أ- على العاملين:
فمن آثار تنافس الدنيا: 1- القلق والاضطراب النفسي: وذلك أن من
سيطرت عليه الدنيا وابتُلي بجمعها والتنافس فيها، فيصاب لا محالة بالقلق والاضطراب
النفسي، خوفًا من أن تضيع عليه هذه الدنيا، بل خوفًا من ألا يحصل الكثير منها،
ويحق فيه قول الحق تبارك: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً
ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه: 124)، ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ
عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ (الجن: 17).
2- إهدار حقوق الأخوة الإسلامية: ذلك أن تنافس الدنيا سيجر
صاحبه حتمًا إلى الظنون الكاذبة، وما تؤدي إليه من تتبع للعورات والغيبة والنميمة
والسخرية والاستهزاء، والمزايدة على أخيه المسلم في بيع أو شراء أو نكاح، بل ربما
تصل الأمور إلى حد الكيد والتآمر وانتهاك الأعراض وسفك الدماء وسلب الأموال لئلا
يسبق في تحصيل الدنيا، وهذا شر.
3- الانصراف عن أعمال الآخرة: ذلك أن من جعل الدنيا أكبر همه،
ومبلغ علمه، وسعى إلى سبق ومباراة الآخرين في تحصيلها، ينصرف لا محالة عن أعمال
الآخرة، وربما لا يجد من الأوقات والتفكير ما يعينه على إتيان هذه الأعمال.
4- كراهية الموت والدار الآخرة: ومن انصرف عن أعمال الآخرة
واشتغل بالدنيا وبالتسابق والتباري في تحصيلها يكره الموت والدار الآخرة، لأنهما
يقطعانه عما هو مشتغل متعلق متلذذ به، فضلًا عن أنه لم يقدم شيئًا يسعى إليه في
الآخرة، ولعل هذا هو ما فقهه ذلك العالم الجليل أبو حازم الأعرج، وقد سأله سليمان
بن عبد الملك قائلًا: "يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ فأجاب: لأنكم عمرتم
دنياكم وخربتم آخرتكم، فكرهتم الانتقال من العمران إلى الخراب" (7).
ب- على العمل الإسلامي:
وأما آثار تنافس الدنيا على العمل الإسلامي فأهمها: 1- الفرقة
والتمزق: ذلك أن التنافس على الدنيا يؤدي إلى الخصومات، وهي بدورها تؤدي إلى
العداوة والكراهية والبغضاء، وحينئذ لا يكون وحدة، ولا اجتماع ولا ترابط، وهذه هي
قاصمة الظهر حقًّا.
2- طول الطريق مع كثرة التكاليف: ذلك أنه حين ينتهي الأمر
بالعمل لدين الله إلى حد الفرقة، تفسح الطريق أمام العدو فيمتطي الظهور، ويطوق
الأعناق، ويشدد الخناق، فتعظم التكاليف وتطول الطريق، ويتنفش الباطل، وينتشي ويعود
من جديد لبذر بذور الشر والفساد.
ولقد أشار النبي ﷺ إلى كل هذه الآثار سواء على العاملين أو على العمل
الإسلامي، ولكن في إجمال حين قال: "... فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن
أخشى أن تبسط الدنيا، كما بُسطت على من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم
كما أهلكتهم" (8). "أخوف ما أخاف عليكم، ما يخرج الله لكم من زهرة
الدنيا ..." الحديث (9).
الهوامش:
1- الحديث أورده ابن كثير في تفسير القرآن العظيم 5/592 من حديث معاذ
بن جبل مرفوعًا به وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
2- الحديث أورده ابن كثير في
تفسير القرآن العظيم 4/547 من حديث ابن عباس مرفوعًا، وعزاه إلى أبي بكر البزار،
وأنه -أي البزار- عقب عليه قائلًا: "لا نعرفه إلا بهذا الإسناد".
3- تربع، يعني: تأخذ ربع
الغنيمة، يقال: ربعت القوم أربعهم، إذا أخذت ربع أموالهم، يريد الحق سبحانه: ألم
أجعلك رئيسًا مطاعًا لأن الملك كان يأخذ الربع من الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه،
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 2/60.
4- الحديث أخرجه مسلم في
الصحيح كتاب الزهد باب منه 4/ 2279 - 2280 رقم 2968 (16) والترمذي في السنن: كتاب
صفة القيامة: باب منه 4/ 619 رقم 2428، وأحمد في المسند 2/492 كلهم من حديث أبي
هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا، واللفظ لمسلم.
5- الحديث أخرجه الترمذي في
السنن: كتاب الزهد باب ما جاء في ذكر الموت 4/179 من حديث أبي هريرة مرفوعًا بهذا
اللفظ، كما أخرجه على أنه جزء حديث طويل في كتاب صفة القيامة، والرقائق والورع باب
منه 4/ 551 رقم 2460 من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: دخل رسول الله مصلاه فرأى
أناسًا يتكشرون "يعني: تظهر أسنانهم من الضحك"، قال: "أما إنكم لو
أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى الموت، فأكثروا من ذكر هادم اللذات.
الموت..." الحديث. وعقب على حديث أبي هريرة بقوله: "هذا حديث لا نعرفه
إلا من هذا الوجه". والنسائي في السنن: كتاب الجنائز باب كثرة ذكر الموت 4/4
(السنن الصغرى) 1/ 600-601 رقم 1950 (السنن الكبرى) من حديث أبي هريرة مرفوعًا،
وابن ماجه في السنن: كتاب الزهد باب ذكر الموت، والاستعداد له 2/ 1422 رقم 4258 من
حديث أبي هريرة مرفوعًا، وأحمد في المسند 2/292 - 293 من حديث أبي هريرة -رضي الله
عنه- مرفوعًا، وقوله "هادم اللذات" بالذال المعجمة بمعنى قاطعها، أو
بالمهملة من هدم البناء، والمراد: الموت، وهو هادم اللذات، إما لأن ذكره يزهده
فيها، أو لأنه إذا جاء ما يبقي من لذائذ الدنيا شيئًا، والله تعالى أعلم، قاله
الحافظ السيوطي في: زهر الربى 4/4 بهامش: المجتبى.
6- الحديث أخرجه الترمذي في
السنن: كتاب صفة القيامة باب منه 4/ 550 رقم 2459، وابن ماجه في السنن: كتاب
الزهد: باب ذكر الموت والاستعداد له 2/ 1423 رقم 4260، وأحمد في المسند 4/124 كلهم
من حديث شداد بن أوس مرفوعًا بهذا اللفظ.
7- انظر: تهذيب تاريخ دمشق
للشيخ عبد القادر بن بدران 6/ 220 - 221.
8-9 - الحديثان سبق تخريجهما.
(*) أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الكويت. البقية
العدد القادم..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل