; آفات على الطريق 24 «3 من 3»(علاج الشح). | مجلة المجتمع

العنوان آفات على الطريق 24 «3 من 3»(علاج الشح).

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994

مشاهدات 58

نشر في العدد 1103

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 14-يونيو-1994

     ·   الشيخ محمد حسنين مخلوف آوى في داره أحد أبناء الحركة الإسلامية الفارين من جحيم ثورة يوليو المصرية لعشر سنين والذي حمله على ذلك هو جوده وكرمه

وما دمنا قد وقفنا على ماهية الشح، ومظاهره، وأسبابه، وآثاره على العاملين، وعلى العمل الإسلامي فقد أصبح من السهل علينا وصف الدواء، بل الوقاية من هذا الداء، وإليك السبيل:

1- النظر في العواقب والآثار المترتبة على الشح في الدنيا والدين، فإن مثل هذا النظر مما يخوف النفوس، ويحركها من داخلها، الأمر الذي ييسر عليها سبيل الإقلاع، والتخلص من هذا الداء.

2- اليقين التام بما عند الله من الأجر والمثوبة، والنعيم المقيم: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (القصص: 60)، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الشورى: 36)، ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (النمل: 96)، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: 39).

3- العيش الطويل مع كتاب الله -عز وجل- للوقوف على خبر وعاقبة أهل الشح والبخل، وكذلك خير وثواب أهل العطاء والجود، الأمر الذي ييسر علينا سبيل التخلص من أخلاق الأشحاء، ويحملنا على التحلي بأخلاق الأجواد ممن وصفنا.

4- دوام النظر في سنة وسيرة وهدي نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- مع النعمة التي أنعم الله بها عليه من مال أو غيره، وكيف كان من أحرص الخلق على إنفاق هذه النعمة، وتوظيفها في مرضاة الله -عز وجل- توظيفًا كاملًا دون شح أو بخل: إذ يقول ابن عباس -رضي الله عنهما- في صفته -صلى الله عليه وسلم-: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة»(1).

قال الحافظ ابن حجر: «قوله: فيدارسه القرآن، قيل الحكمة فيه: أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود، والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة»(2).

ولقد ذكر ابن القيم في كتابه مدارج السالكين مراتب عشرة للجود: «مثل الجود بالنفس، والجود بالرياسة، والجود بالجاه، والجود بالراحة والرفاهية، والجود بالعلم، والجود بالبدن، والجود بالبشر وبسط الوجه، والجود بالصبر، والجود بالعفو والصفح، والجود بكف الأذى، والجود بالمال والتعفف عما في أيدي الناس»(3)، وما من شك في أنه -صلى الله عليه وسلم- كان مصدر هذه المراتب تلقاها عن ربه وحيًا، ثم حولها إلى واقع عملي في دنيا الناس، أجل إنه لابد من دوام النظر في سنة وسيرة وهدي نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وما كان عليه من الجود بنعمة الله عليه، وبذلها فيما فيه مرضاته ونفع عباده على النحو الذي بينا، فلعل ذلك يحرك نفوس الأشحاء، ويحملهم على التخلص من الشح، ثم التحلي بالجود اقتداء وتأسيًا برسول الله -صلى الله عليه وسلم.

5- مطالعة أخبار الأجواد من البشر، ولا سيما أبناء أمتنا المسلمة على نحو ما أثر عن قيس بن سعد بن عبادة، وكان من الأجواد المعروفين: أنه مرض مرة، فاستبطأ إخوانه في العيادة فسأل عنهم، فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين، فقال: أخزى الله مالًا يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر مناديًا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حِل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه، لكثرة من عاده.

وقالوا له يومًا: هل رأيت أسخى منك؟ قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأة، فحضر زوجها، فقالت: إنه نزل بك ضيفان فجاء بناقة فنحرها، وقال: شأنكم؟ فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير، فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت، فبقينا عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر، وهو يفعل ذلك، فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته، وقلنا للمرأة اعتذري لنا إليه، ومضينا، فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب اللئام، أعطيتموني ثمن قراي؟! ثم إنه لحقنا، فقال: لتأخذنه أو لأطعننكم برمحي، فأخذناه وانصرف»(4).

وعلى نحو ما حُفظ عن مفتي الديار المصرية الأسبق المرحوم الشيخ محمد حسنين مخلوف إذ آوى في داره واحدًا من أبناء الحركة الإسلامية الفارين من جحيم زعماء ثورة يوليو المصرية (المباركة) لعشر سنين، وهو يعلم تمام العلم أنه لو كُشف أمره، فإن رقبته هي ثمن هذا الإيواء، ولكن جوده هو الذي حمله على ذلك مستعينًا بالله، نعم إن مطالعة أخبار هذا الصنف من البشر له دور كبير في تحريك الأشحاء من داخلهم، علّهم يتوبون أو يذكرون.

6- الانسلاخ من الوسط المعروف بالشح، والارتماء في الأوساط المعروفة بالجود والسخاء، فإن مثل ذلك يحمل الشحيح على الاقتداء والتأسي، أو على الأقل المحاكاة والتشبه.

7- التخلص من داء الاستعلاء والتكبر في الأرض بغير الحق، على نحو ما رسمنا في الجزء الأول من هذه الآفات، فإن التحرر من الاستعلاء والتكبر في الأرض بغير الحق يسهل عليه أن يتحرر من الشح على اعتبار أنه ثمرة من ثماره المرة.

8- تطهير الصدر من الأحقاد، فإن الصدر إذا طهر من الأحقاد سهل على صاحبه أن يتحرر من الشح، وربما تجاوز ذلك إلى المواساة، بل الإيثار، على نحو ما جاء في كتاب الله عن الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: 9).

9- مجاهدة النفس، وأخذها بالعزيمة، وحملها حملًا على ترك الشح، وأن تتحلى بالمواساة، بل الإيثار، ويحسن أن يأخذها صاحبها بالتدريج مع الترغيب تارة، والترهيب أخرى، ويصبر على ذلك زمانًا، فإن هذه المجاهدة إن كانت صادقة توصل بسرعة إلى المراد، وصدق الله الذي يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).

10- كثرة الدعاء والضراعة إلى الله الذي بيده مقاليد السموات والأرض، فإن هذا الدعاء وهذه الضراعة إن كانا صادقين أجاب الله، وأعان على النفس، ورزق التخلص من هذا الداء، وكيف لا يكون الأمر كذلك، والله -سبحانه- يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60).

11- النظر إلى النعم التي أفاض الله علينا على أنها ليست ملكًا لنا حتى نمنعها عن عباده، وإنما هي ملك لله، ونحن أمناء أو خزنة فقط على هذه النعم، ومن واجب الأمين أو الخازن أن يتصدق وفق مراد صاحب النعمة، وقد دعا صاحب النعمة إلى إنفاقها على عباده، وفي مرضاته، مع الوعد الحق بأنه سيخلف أضعافًا مضاعفة، إذ يقول: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِير﴾ (الحديد: 7)، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: 39).

12- محاسبة النفس أولًا بأول، فإن المحاسبة لها دور كبير في التخلص من هذا الداء، ولاسيما إذا كان مع المحاسبة تأديب للنفس، واستئصال لدائها عن طريق العقاب.

13- التذكير الدائم بكل ما يتصل بهذه الآفة على النحو الذي ذكرنا، فإن الإنسان بفطرته ينسى، وعلاج النسيان إنما يكون بالتذكير والتبصير، كما قال سبحانه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: 55)، ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (الأعلى: 9).

14- فتح مجالات أو ميادين يمارس فيها الأشحاء صنوف البر والمعروف، ويهون عليهم أن يوظفوا ما لديهم من طاقات وإمكانات.

15- تشجيع هذا الصنف من الناس حين يأتي برًا ومعروفًا بالثناء والمدح، فإن المرء كثيرًا ما ينجح مع نفسه بالثناء والمدح على نحو ما جاء في حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- في مسألة غير الشح، إذ يقول: كنت غلامًا شابًا عزبًا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وكنت أبيت في المسجد، وكان من رأى منامًا قصه على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: اللهم إن كان لي عندك خير، فأرني منامًا يعبره لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنمت، فرأيت ملكين أتياني، فانطلقا بي، فلقيهما ملك آخر، فقال لي: لن تراع، إنك رجل صالح، فانطلقا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتُ بعضهم، فأخذا بي ذات اليمين، فلما أصبحت ذكرت ذلك لحفصة، فزعمت حفصة أنها قصتها على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن عبدالله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل»(5).

وقد أثّر هذا الثناء في ابن عمر. قال الزهري: وكان عبدالله بعد ذلك يكثر الصلاة من الليل.

16- الوقوف على عواقب الأشحاء والبخلاء كأصحاب الجنة المذكورين في سورة القلم، ويمكن الاعتماد على كتاب البخلاء للجاحظ في تغطية هذا الجانب، فإن مثل ذلك مما يحمل العقلاء غالبًا على تجنب ما يؤدي إلى هذه العواقب، أعني: الشح، وما ذلك على الله بعزيز.

الهوامش

       1- الحديث أخرجه البخاري في: الصحيح: كتاب بدء الوحي: باب منه 5/1 وكتاب الصوم: باب أجود ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان 33/3، وكتاب بدء الخلق: باب بدء ذكر الملائكة 137/4، وكتاب المناقب: باب صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- 229/4، وكتاب فضائل القرآن: باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم- 229/6، وكتاب الأدب: باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل 16/8، ومسلم في الصحيح: كتاب الفضائل: باب كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير من الريح المرسلة 1803/4- 1804 رقم 2308 (50)، والنسائي في السنن: كتاب الصيام: باب الفضل والجود في شهر رمضان 2/64 رقم 2405 (الكبرى) 125/4، 126 (الصغرى) وأحمد في المسند: 1/230، 231، 288، 326، 363، 366، 367، 373 كلهم من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- واللفظ للبخاري.

      2- انظر: فتح الباري 31/1.

     3- انظر: مدارج السالكين 293/2- 296 بتصرف كثير.

     4- انظر: مدارج السالكين 292/2.

     5- الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب التهجد: باب فضائل من تعار من الليل فصلى 69/2، وكتاب التعبير: باب الأمن وذهاب الروع في المنام، وباب الأخذ على اليمين في النوم 51/9، 52، وكتاب فضائل الصحابة: باب مناقب عبد الله بن عمر ابن الخطاب -رضي الله عنهما- 30/5 31، ومسلم في الصحيح: كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما 1927/4- 1928 رقم 2478- 2479 (139- 140)، وابن ماجه في: السنن: كتاب تعبير الرؤيا: باب تعبير الرؤيا 1291/2 رقم 3919، وأحمد في: المسند 146/2 كلهم من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعًا، واللفظ للبخاري.

(*) أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة- جامعة الكويت.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

124

الثلاثاء 26-مايو-1970

صراع مع سيجارة

نشر في العدد 880

75

الثلاثاء 30-أغسطس-1988

استراحة المجتمع: (العدد: 880

نشر في العدد 1188

72

الثلاثاء 13-فبراير-1996

استراحة المجتمع(1188)