; آفات على الطريق (23) (3 من 3) ... آثار القعود وعلاجه | مجلة المجتمع

العنوان آفات على الطريق (23) (3 من 3) ... آثار القعود وعلاجه

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1994

مشاهدات 85

نشر في العدد 1100

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 17-مايو-1994

هذا وللقعود آثار ضارة، وعواقب مهلكة سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي، ودونك طرقاً من هذه الآثار والعواقب.

أ- على العاملين

فمن آثار القعود على العاملين:

1 - تفرد الشياطين بهم ثم افتراسهم:

إذ من قعدوا عن الالتزام بالإسلام بالمرة صاروا موالين للشياطين من الجن والإنس، وأما الذين انفصلوا عن العاملين لدين الله، وعاشوا وحدهم ملتزمين في أنفسهم وأهليهم بمنهج الله، فهؤلاء سمحوا للشياطين أن يتفردوا بهم، ثم يفترسوهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "... فمن أحب منكم بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد"(1).

2- مضاعفة الذنوب والآثام الأمر الذي ينتهي أن تكون الجحيم هي المأوى:

وذلك أن القاعدين يفتحون باباً واسعاً أمام كثيرين من الضعفاء والعامة، ممن يقتدون بهم، فيقعدون قعودهم، وبهذا يحملون وزرين: وزر قعودهم، ووزر إقعاد غيرهم إذ يقول سبحانه: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (العنكبوت: 13)

(لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) (النحل: 25)

وتتضاعف الذنوب والآثام بدوام القعود حتى تكون الجحيم هي المأوى والعياذ بالله.

3- الذل والهوان:

وذلك أنهم حين قعدوا عن نصرة دين الله لم يمنعهم هذا القعود من أن ينزل بهم قدر الله، وقد قدر الله حياة الذل والهوان في الدنيا والآخرة على كل من تولى وأعرض عن ذكره سبحانه وتعالى فقال:

(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) (طه: 124)

(وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) (الجن: 17)

وقد عشنا وشاهدنا في العصر الحاضر من قعد عن نصرة دين الله بعد أن كان شعلة نشاط وما كان له من مبرر إلا الإبقاء على النفس والأهل والمال، والولد، ومضى قدر الله، ولم يظفر بما أراد، وعاد يندب حظه ويقول: "يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً".

ب - على العمل الإسلامي

ومن آثار القعود على العمل الإسلامي:

1- إضعاف هذا العمل، وتعريضه للاغتيال أو على الأقل الإجهاض بحيث لا يؤتي ثماره إلا بعد تكاليف كثيرة وزمن طويل.

ذلك أن هذا الصنف من القاعدين لم يقتصر قعوده على نفسه، بل تعداه إلى قعود الآخرين اقتداءً وتأسياً، بل أبعد من ذلك أغلق الباب في وجه من يريدون الالتزام بدين الله والعمل له لأول مرة إيثاراً للسلامة والعافية بزعمهم، ولا شك أن هذا إضعاف للعاملين والعمل الإسلامي، ومعروف أن المبطلين لا يتمكنون من العاملين والعمل الإسلامي إلا في مثل هذا الجو من الضعف والتفرق.

2- تعريض العاملين لدين الله لشدائد وامتحانات لا تطاق من انتهاك للأعراض، وسلب للأموال، وسفك للدماء، أو على الأقل التضييق والتعذيب، أو النفي والتشريد في الأرض، وكل هذه الجرائم بسبب قعود القاعدين.

وما لقيه أبناء الحركة الإسلامية في مصر من التعذيب في أوائل الخمسينات بسبب انسحاب نفر من العلماء من الصف ومعهم ما لا يحصى من المتأثرين بهم، والواثقين فيهم، شاهد صدق على ما نقول، ويتحمل هذا النفر إثم ما نزل بهؤلاء إلا أن يعفو الله عنهم، ويتجاوز.

وما يلقاه العمل الإسلامي اليوم بعموم انسحاب نفر من الميدان، وقبوله أن يكون سوطاً في يد الباطل يلهب به ظهور العاملين، ويحرض عليهم، ويخيف الناس منهم لهو شاهد صدق كذلك على ما نقول.

علاج القعود

وفي ضوء ما قدمنا من أسباب وبواعث القعود يمكن رسم طريق الخلاص، بل طريق الوقاية من هذا القعود، ودونك معالم هذه الطريق:

  • استشعار نعم الله التي أنعم بها علينا في أنفسنا، وفي الكون المحيط بنا ظاهرة كانت هذه النعم أو باطنة حيث يقول سبحانه: (وآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم: 34)

(وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) (لقمان: 20)

وأن هذه النعم ينبغي أن تقابل بالشكر كي تدوم، وشكر النعمة إنما يكون بتوظيفها فيما خلقت له، لا باستخدامها فيما يغضب الله ويسخطه، فإن مثل هذا الاستشعار قد يحرك النفس من داخلها، ويحملها على النهوض من جديد.

  • استشعار القاعد مسؤوليته أمام الله يوم القيامة عما يلقاه المسلمون المضطهدون، الملاحقون في كل مكان: في البوسنة والهرسك، في الجمهوريات الإسلامية في آسيا، في كشمير المسلمة، في بورما، في إريتريا، في الفلبين، في دول البلقان، في أفريقيا، في بلاد العرب، في فلسطين، فيما لا تعلمه بسبب التعتيم الإعلامي المقصود، ويعلمه الله عز وجل.

وماذا سيكون جوابه لربه غداً يوم يقوم الناس لرب العالمين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله، فإن هذا الاستشعار من شأنه أن يخيف صاحب الفطرة السليمة والعقل الراشد فيجاهد نفسه على التحرر من القعود، ويعمل على النهوض من جديد.

  • التوسط في تعاطي المباحات من غير إفراط أو تفريط مع اليقين أن في ذلك عافية لنا في أبداننا، وعقولنا وأرواحنا وأن ما نحرم أنفسنا منه اليوم سنلقاه غداً في أكمل وأبهى صورة: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف: 32).
  • إخراج حب الدنيا - بوسيلة أو بأخرى - من القلوب فإن حب الدنيا على رأس كل خطيئة، وهذا لا يمنع أن تكون هذه الدنيا في أيدينا نتبرأ منها حيث نشاء شريطة أن تكون من حلال، وأن نؤدي حق الله فيها، بل أن نتنازل عنها جميعاً لله إن اقتضت الحال ذلك كما أثر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فإن مثل هذا الصنيع مع الدنيا من شأنه أن يحمل القاعد على النهوض، والاستمرار إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
  • دوام النظر في كتاب الله، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم للوقوف على أخبار القاعدين المخلفين، وما صاروا إليه من ذل وهوان في الدنيا والآخرة، فلعل مثل هذا النظر يخوف القاعد إن كان له قلب فيبادر بترك القعود، ويحمل نفسه على النهوض حماية لها من أن تصير إلى ما صار إليه هؤلاء القاعدون من قبل، وأن يذيقها الله من الذل والهوان في الدنيا والآخرة مثلما صنع بهؤلاء، وسورة النساء والتوبة والأحزاب والفتح من أوسع سور القرآن حديثاً عن هذا الصنف من الناس.
  • تأمل واقع هؤلاء القاعدين اليوم، وكيف صاروا سهماً في كنانة أعداء الله ورسوله والمؤمنين، يصوبونه إلى صدور العاملين، فتقوى بهم شوكة هؤلاء الأعداء حتى إذا استنفدوا بغيتهم منهم خلعوهم من أقدامهم، وألقوا بهم في مزبلة التاريخ، فخسروا الحياتين جميعاً الدنيا والآخرة، وخسارة الآخرة أشد: (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر: 15).
  • مجاهدة النفس من أجل أن تستصحب نية الجهاد والعمل لدين الله عز وجل ثم تنفيذ ما تقتضيه هذه النية، ولكن مع الصدق والإخلاص، واتباع السنة، فلعل الله عز وجل بهذه النية يمن على هذا الصنف القاعد من الناس وينتشله من وهدة القعود، إلى قمة النهوض والعمل إذ يقول سبحانه: (وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثواباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً) (مريم: 76) (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: 17).
  • الانقطاع عن صحبة القاعدين إلا بالقدر الذي به يكون العمل على انتشال هؤلاء من قعودهم هذا، مع الارتماء وبسرعة في وسط العاملين، فإن ذلك مما يقوي العزيمة ويعلي الهمة، ويثبت النفس، ويحملها على الاقتداء والتأسي، فإن لم يكن فالتشبه والمحاكاة.
  • دوام النظر في وعد الله ورسوله للمؤمنين بالنصر والغلبة والتمكين في الأرض، وكيف حقق ذلك للمؤمنين أول مرة حين نهضوا، وما كانوا يوماً من القاعدين، وسيظل هذا الوعد قائماً إلى يوم الدين شريطة أن نكون مؤمنين حقاً نرفض القعود، والذل والهوان، ونمضي في الطريق عاملين لا نلوي على شيء إلا على مرضاة الله ورسوله، فإن مثل هذا النظر مما يحرك النفوس الأبية الكريمة ويحملها على النهوض، وترك القعود.
  • الانتباه إلى معوقات الطريق من الأزواج، والأولاد، والأموال، والسلطان، والجاه، ونحوها كي نأخذ لها الأهبة والاستعداد، ونعلم أن هؤلاء لن يغنوا عنا من الله عز وجل شيئاً.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجرٌ عَظِيمٌ (15)) (التغابن: 14- 15)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون: 9).

  • المبادرة بعمل منهاج يستوعب الحياة بأشكالها وصورها ويكون ملائماً لطاقات وإمكانات الناس ولا سيما هذا الصنف من القاعدين، على أن يكون كتاب الله وسنة رسوله هما الأساس والأصل في وضع مثل هذا المنهاج.

فإن مثل هذا المنهاج من شأنه أن يقضي على كل لحظات الفراغ التي يمكن أن تستغل من قبل شياطين الجن وشياطين الإنس، ويفتح الباب أمام القاعدين للنهوض من جديد.

  • مجاهدة النفس على احترام وتوقير الآخرين لا سيما أهل الفضل والدين، بل مجاهدتها على ألا تحمل من التكاليف والواجبات إلا ما تطيق، نظراً لطول الطريق ومشقة التكاليف، فإن هذه المجاهدة من شأنها أن تحرك القاعدين فينهضون من جديد.
  • التجاوز وقت المحاسبة عن بعض الهفوات والزلات التي لا يسلم منها بشر، والتي لا تصل إلى حد التطاول على حق الله وحقوق عباده، فإن مثل هذا التجاوز من شأنه أن يقضي على اليأس والقنوط، وأن يفتح باب الأمل والرجاء، فإذا القاعدون نهوض يعملون.
  • استقبال تغيير الموقع، ولا سيما من الأعلى للأدنى: من القيادة إلى الجندية بفرح وسرور، وراحة بال، وهدوء خاطر، فإنه كلما علت منزلة الإنسان في المسؤولية كان الحساب أشد والمؤاخذة أعظم على حد قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا) (الأحزاب: 30).
  • مواجهة وسوسة شياطين الجن والإنس، وإغراء الحياة الدنيا بأن في القعود سلامة وراحة وعافية بأن هذا هو الهلاك بعينه، كما قال سبحانه عن هؤلاء الذين تخلفوا عن تبوك فراراً من التكاليف وإيثاراً للراحة والسلامة والعافية: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهلكونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (التوبة: 42)، (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سبيلِ اللهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)) (التوبة: 81-82).

ولعل مما يوضح أن القعود هو الهلاك بعينه، هذه الآثار عن أبي عمران رضي الله عنه – قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل يريد: فضالة بن عبيد رضي الله عنهما، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج علينا فصاح الناس إليه فقالوا سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يأيها الناس: إنكم لتؤولون هذه الآية على هذا التأويل، إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار: إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه، فقلنا - فيما بيننا بعضنا لبعض سراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت فلو أقمنا فيها، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله عز وجل يرد علينا ما هممنا به – فقال (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: 195).

فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا نصلحها، فأمرنا بالغزو، فما زال أبو أيوب رضي الله عنه غازياً في سبيل الله حتى قبضه الله عز وجل(2).

ومن وجه آخر، عن أبي عمران رضي الله عنه قال: غزونا المدينة - يعني القسطنطينية - وعلى الجماعة عبد الرحمن ابن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو فقال الناس: مه، مه(3)، لا إله إلا الله يلقي بیده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار- لما نصر الله نبيه، وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: 195)، فالإلقاء بأيدينا إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا، ونصلحها، وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية(4).

ومن وجه ثالث عن أبي عمران رضي الله عنه قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام، وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار تخفياً، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: 195). فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد(5).

لا ينبغي أن يصرفنا عدم استجابة الآخرين إلى ما يدعوهم إليه عن الدعوة إلى الله، بل لا بد من الاستمرار مع تخير أحسن وأنجح الأساليب، ونكل أمر القلوب بعد ذلك إلى الله وهو سبحانه حين يرى منا الصدق والإخلاص، واستفراغ كل الأساليب والوسائل، لن يضيع علينا ثمرة جهدنا وعطائنا وحسبنا الأجر والمثوبة: (وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) (القصص: 80).

 

الهوامش

1- انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني المجلد الأول ص 431.

2- الحديث أخرجه الترمذي في السنن كتاب التفسير: سورة البقرة: باب 5/196 رقم 2972 من حديث أسلم أبي عمران التجيبي بنحو هذا اللفظ والنسائي في السنن الكبرى كتاب التفسير باب قوله تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" 6/299 رقم 11029، من حديث أسلم أبي عمران، وعقب الترمذي على حديثه بقوله: هذا حديث حسن صحيح غريب، وأورده الشيخ محمد يوسف في حياة الصحابة 1/470 نقلاً عن البيهقي.

3- مه: اسم فعل أمر مبني على السكون بمعنى اكفف. انظر المعجم الوسيط 2/889.

4- الحديث أخرجه أبو داود في السنن كتاب الجهاد باب في الجرأة والجبن 2/27 رقم 2512 من حديث أسلم أبي عمران التجيبي بهذا اللفظ، وأورده الشيخ محمد يوسف في حياة الصحابة 1/470 – 471 نقلاً عن البيهقي.

5- الحديث أورده الشيخ محمد يوسف في حياة الصحابة 1/471 نقلاً عن ابن كثير في تفسير القرآن العظيم.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

209

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟