; آفات على الطريق 23: (1 من 3) | مجلة المجتمع

العنوان آفات على الطريق 23: (1 من 3)

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1994

مشاهدات 245

نشر في العدد 1098

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 03-مايو-1994

القعود: تعريفه ومظاهره وموقف الإسلام منه

والآفة الثالثة والعشرون التي قد يبتلى بها نفر من العاملين لدين الله، بل لقد أصيب بها بالفعل نفر من هؤلاء، وكانت وراء تمكن الباطل وإحكامه القبضة حول أعناقنا إنما هي: «القعود». وحتى يتطهر منها من ابتلي بها، ويقي نفسه من سلمه الله –عز وجل– منها، فإنه لا بد من إعطاء تصور صحيح واضح عنها، وذلك على النحو التالي:

أولًا: تعريف القعود لغة: يأتي القعود في لغة العرب على معانٍ، منها:

  • الجلوس بعد قيام، نقول قعد فلان: جلس بعد أن كان قائمًا.
  • الانقطاع والترك للأمر، أو التأخر عنه، نقول: قعدت المرأة عن الحيض والولد: انقطعت، وقعد عن الأمر: تركه أو تأخر عنه.
  • الاحتباس عن الشيء، نقول: ما قعدك عن الأمر، وأقعدك أي ما حبسك.
  • عدم الاهتمام بالأمر، نقول: قعد عن الأمر: ليس مهتمًا به.
  • الداء يصيب الجسد فيقعده، وقيل: داء يأخذ في أوراك الإبل، فيميلها إلى الأرض، أو هو الزمن الذي لا يشفى.

ولا تعارض بين هذه المعاني جميعًا، فإن الداء حين يصيب الجسد ويتمكن منه يعوق صاحبه عن مواصلة السير، فإذا هو قاعد أو منقطع، أو على الأقل متأخر مع عدم اكتراث واهتمام (1).

اصطلاحًا: والقعود في اصطلاح الدعاة العاملين لدين الله مرض يصيب الداعية من داخله يعوقه عن مواصلة السير في الطريق إلى نهايتها، فإذا هو قاعد أو منقطع، أو على الأقل متأخر عن الركب دون اكتراث أو مبالاة واهتمام. يقول ابن عطية –رحمه الله– في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (التوبة: 46): والقعود هنا عبارة عن التخلف والتراخي كما في قول الشاعر (2): واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

ويقول العلامة الألوسي – رحمه الله – في تفسير هذه الآية (3): «تمثيل لخلق الله تعالى داعية القعود فيهم، وإلقائه سبحانه كراهة الخروج في قلوبهم بالأمر بالقعود، أو تمثيل لوسوسة الشيطان بذلك، فليس هنا قول حقيقة، ونظير ذلك قوله سبحانه: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (البقرة: 243) – أي أماتهم - ويجوز أن يكون حكاية قول بعضهم لبعض، أو إذن الرسول صلى الله عليه وسلم لهم في القعود، فالقول على حقيقته، والمراد بالقاعدين: الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت كالنساء، والصبيان، والزمنى – أي المرضى مرضًا مقعدًا، أو الرجال الذين يكون لهم عذر يمنعهم عن الخروج، وفيه على بعض الاحتمالات من الذم ما لا يخفى على متدبر».

وواضح أن بعض الاحتمالات التي توجب الذم في نظر الألوسي ما عبر عنه بقوله: «ويجوز أن يكون حكاية قول بعضهم لبعض».

ثانيًا: مظاهر القعود، وقيمته في ميزان الإسلام وللقعود مظاهر وصور تدل عليه، وأهم هذه المظاهر، وتلك الصور:

1.    ترك منهج الله بالمرة، والتحاكم إلى مناهج البشر، وهذا وإن كان قليلًا لكنه – كما يشهد الواقع – موجود.

2.    ترك الدعوة إلى الله، مع الاستقامة في النفس والأهل والولد.

3.    التفرغ لإيذاء العاملين لدين الله: تارة بانتقاصهم، والطعن في أشخاصهم، وذواتهم، وتارة بانتقاصهم، والطعن في منهاجهم، وتارة بتأييد من ينتقصونهم، ويطعنون فيهم تلويحًا أو تصريحًا، وتارة بغير ذلك من السباب والشتائم، بل ربما الإيذاء البدني.

4.    السعي لتمزيق صف العاملين لدين الله: تارة بوضع منهاج يوافق منهج الله في الشكل، ويجافيه ويختلف معه في المضمون والجوهر، ثم دعوة الناس لا سيما الشباب للانضواء تحت لواء هذا المنهاج المبتدع، وتارة بالدخول في هذا المنهج، ثم بالخروج منه، والإشاعة بين الناس أنه ما خرج إلا لفساد المنهج.

5.    الركون إلى الظالمين بصورة أو بأخرى، ثم الدفاع عن هؤلاء الظالمين بكل الأساليب، والوسائل.

6.    الاطلاع على بعض أخطاء العاملين - «وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» – ثم نشر هذه الأخطاء، وإعلانها على الملأ من الناس.

7.    لي أعناق النصوص، أو استخدامها في غير موضعها، أو نقلها نقلًا مشوهًا بصورة تعبر عن مكنون ما في النفس من الحقد والكراهية لدين الله، والعاملين بهذا الدين، ولهذا الدين إلى غير ذلك من المظاهر والصور.

والقعود بهذه المظاهر، وتلك الصور مذموم في دين الله، ويكفيه ذمًا أن الله جعله من صفات وخصائص المنافقين، إذ يقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: 168). أخرج ابن جرير عن السدي (4) قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في ألف رجل، وقد وعدهم الفتح إن صبروا، فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبي في ثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالًا، ولئن أطعتنا لترجعن معنا، قال: فذكر الله أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول، وقول عبد الله أبي جابر بن عبد الله الأنصاري حين دعاهم، وردهم، فقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ (آل عمران: 168). وأخرج ابن جرير أيضًا، وابن المنذر عن قتادة (5) في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ (آل عمران: 168)، قال: ذكر لنا أنها نزلت في عدو الله، عبد الله بن أبي.

ويقول سبحانه – حكاية عن قوم موسى مع موسى حين طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، ولا يترددوا، فخافوا، وامتنعوا – قال: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فيِهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: 24). ويقول الألوسي في ذلك (6): «فاذهب – أي إذا كان الأمر كذلك فاذهب – أنت وربك فقاتلا – أي فقاتلاهم، وأخرجاهم حتى ندخل الأرض، وقالوا ذلك استهانة واستهزاء به سبحانه، وبرسوله عليه الصلاة والسلام، وعدم مبالاة، وقصدوا ذهابهما حقيقة، كما ينبئ عنه غاية جهلهم وقسوة قلوبهم، والمقابلة بقوله تعالى ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: 24).

ويقول سبحانه: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ (التوبة: 83). يقول ابن جرير الطبري (7): «يقول جل ثناؤه لنبيه محمد –صلى الله عليه وسلم– فإن ردك الله يا محمد إلى طائفة من هؤلاء المنافقين من غزوتك هذه، فاستأذنوك للخروج معك في أخرى غيرها، فقل لهم لن تخرجوا معي أبدًا، ولن تقاتلوا معي عدوًا، إنكم رضيتم بالقعود أول مرة، وذلك عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم لأنكم منهم، فاقتدوا بهديهم، واعملوا مثل الذي عملوا من معصية الله فإن الله قد سخط عليكم».

وأيد ما قال بالمأثور (8)، قائلًا: «حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله الحر شديد، ولا نستطيع الخروج، فلا تنفر في الحر، وذلك في غزوة تبوك، فقال الله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (التوبة: 81) فأمره الله بالخروج، فتخلف عنه رجال، فأدركتهم نفوسهم، فقالوا: والله ما صنعنا شيئًا، فانطلق منهم ثلاثة، فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتوه تابوا، ثم رجعوا إلى المدينة، فأنزل الله ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾ (التوبة: 83)، إلى قوله: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾ (التوبة: 84) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلك الذين تخلفوا»، فأنزل الله عذرهم لما تابوا، فقال: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾ (التوبة: 117) إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة: 118) وقال ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 117). ثم ساق آثارًا أخرى في غير هذا المعنى، وعاد فقال (9): «والصواب من التأويل في قوله "الخالفين" ما قال ابن عباس»، ويقول سبحانه ﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ﴾ * ﴿رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ (التوبة: 86، 87).

يقول ابن جرير (10): «يقول تعالى ذكره: وإذا أنزل عليك يا محمد سورة من القرآن بأن يقال لهؤلاء المنافقين "آمنوا بالله" يقول: صدقوا بالله، "وجاهدوا مع رسوله" يقول: اغزوا المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، استأذنك أهل الغنى والمال منهم في التخلف عنك، والقعود في أهله، وقالوا ذرنا، يقول: وقالوا لك: دعنا نكن ممن يقعد في منزله مع ضعفاء الناس ومرضاهم، ومن لا يقدر على الخروج معك في السفر».

وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (التوبة: 90). ويقول سبحانه: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ * ﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 95، 96).

يقول ابن جرير الطبري (11): «يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ (النساء: 95)، لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان بالله، وبرسوله، المؤثرون الدعة، والخفض والقعود في منازلهم على مقاساة حر الأسفار، والسير في الأرض، ومشقة ملاقاة أعداء الله بجهادهم في ذات الله، وقتالهم في طاعة الله لأهل العذر منهم، بذهاب أبصارهم، وغير ذلك من العلل التي لا سبيل لأهلها، للضرر الذي بهم، إلى قتالهم، وجهادهم في سبيل الله، "والمجاهدون في سبيل الله"، ومنهاج دينه، لتكون كلمة الله هي العليا، المستفرغون طاقتهم في قتال أعداء الله، وأعداء دينهم "بأموالهم" إنفاقًا لها فيما أوهن كيد أعداء أهل الإيمان بالله، وبأنفسهم مباشرة بها قتالهم بما تكون به ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ (التوبة: 40).

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (12): «من رابط يومًا أو ليلة، كان له كصيام شهر للقاعد، ومن مات مرابطًا في سبيل الله، أجرى الله له أجره، والذي كان يعمل أجر صلاته وصيامه، ونفقته، ووقي من فتان القبر، وأمن من الفزع الأكبر». إلى غير ذلك من النصوص.

والآيات وإن كان أكثرها في المنافقين إلا أنها توحي من طرف خفي بذم القعود مطلقًا بغير عذر مقبول، سواء انتهى بصاحبه إلى أن يكون منافقًا كهؤلاء الذين نزلت فيهم هذه الآيات أو انتهى به إلى أن يكون مسلمًا مرتكبًا إثمًا عظيمًا.


الهوامش

(1) انظر: لسان العرب لابن منظور 2/357 – 364، المعجم الوسيط 2/ 748– 749 مادة «قعد» بتصرف كثير.

 (2) انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 8/ 195.

 (3) انظر روح المعاني 10/ 4/ 222.

 (4) انظر جامع البيان في تفسير القرآن 3/ 4/ 111-112، وعنه نقل السيوطي في الدر المنثور 2/ 370.

 (5) المصدر السابق 3/ 4/ 112.

 (6) انظر روح المعاني 6/ 2/ 108.

 (7) انظر جامع البيان 10/ 6/ 140 – 141.

 (8) انظر جامع البيان 10/ 6/ 143.

 (9) انظر جامع البيان 5/ 4/ 114.

 (10) انظر جامع البيان 10/ 6/ 140.

 (11) انظر جامع البيان 5/ 4/ 114.

 (12) الحديث أخرجه أحمد في المسند 5/ 4440 من حديث سلمان مرفوعًا بهذا اللفظ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب الجهاد باب في الرباط 5/ 290 من حديث سلمان بنحوه وعقب عليه بقوله رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم..

أستاذ الحديث وعلومه بكلية الشريعة جامعة الكويت.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

138

الثلاثاء 16-يونيو-1970

دعوة الإسلام في ترنداد

نشر في العدد 14

137

الثلاثاء 16-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 14

نشر في العدد 59

164

الثلاثاء 11-مايو-1971

حوار مع الشيطان