العنوان آفات على الطريق من أسباب القعود عن العمل لدين الله وبواعثه
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1994
مشاهدات 71
نشر في العدد 1099
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 10-مايو-1994
•
التعلق بالدنيا يدفع إلى الرضا بكل ما فيها وإلى الغفلة عن الاستعداد للآخرة.
•
النظر إلى جاه القيادة وبريقها والغفلة عن مسؤولياتها وتكاليفها يدفع إلى القعود.
•
التلطخ بالمعصية يقود إلى مرض القلب وموته وفقد سيطرته على الجوارح.
وللقعود
عن العمل لدين الله عز وجل أسباب تؤدي إليه وبواعث توقع فيه، وأهم هذه الأسباب
وتلك البواعث:
1-
المعصية:
ذلك أن المرء
إذا تلطخ بالمعصية بكل أشكالها وصورها، الظاهرة منها والباطنة، الصغيرة منها
والكبيرة، ولم يبادر بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله عز وجل، فإن هذه المعصية
تؤدي إلى مرض القلب، بل موته، وحينئذ لا يكون للقلب سيطرة على الجوارح، ويجد
شياطين الإنس والجن، وكذلك الدنيا ببريقها وزخارفها وزيناتها، الطريق مفتوحة
للوسوسة والإغواء والإغراء بكل ما يغضب الله ورسوله، ومنه القعود عن العمل لدين
الله بصورة أو بأخرى على النحو الذي قدمنا.
وقد نبه الحق
تبارك وتعالى إلى أن المعصية تقود إلى كل شر من خلال ما حكاه عن بعض جرائم بني
إسرائيل، وأن المعصية إنما كانت السبب في ارتكاب هذه الجرائم، حيث يقول سبحانه:
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ
اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ
النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾
(البقرة 61).
يقول ابن جرير
-رحمه الله- في إجمالي تفسير هذه الآية: ومعنى الكلام فعلت بهم ما فعلت من ذلك بما
عصوا أمري، وتجاوزوا حدي إلى ما نهيتهم عنه. كما نبه إليه رسول الله صلى الله عليه
وسلم بقوله: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه
نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل
الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا،
لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه».
ولابن قيم
الجوزية تصوير لأثر المعصية على العبد، أحدهما واسع مطول يكفي أن نحيل القارئ
عليه، والآخر موجز يقول فيه: والمقصود «أن الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها
العبد أعداءه، ويعينهم بها على نفسه، فيقاتلونه بسلاحه، ويكون معهم على نفسه، وهذا
غاية الجهل؛ ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه».
2-
التوسع في المباحات:
وذلك أن الله عز
وجل لم يمنع عباده من نصيبهم من المباحات، ولكنه حماية لهم ورحمة بهم طلب منهم أن
يكون أخذها بتوسط واعتدال، فقال سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف 31)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا
طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة 87).
ويوم تغيب هذه
الحقيقة عن بال المسلم ويتوسع في المباحات، ينتهي به هذا التوسع إلى القعود وترك
العمل لدين الله، لاسيما وطريق الله ليست مفروشة بالحرير والورود، إنما هي محفوفة
بالمخاطر والمتاعب والآلام، ومفروشة بالأشواك، ومروية بالدموع، ومزدانة بالدماء
والجماجم، وقد تنبه سلف الأمة إلى هذا السبب فحذروا من الوقوع فيه.
وهذه عائشة -رضي
الله عنها- تقول: «أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع؛ فإن القوم لما شبعت
بطونهم سمنت أبدانهم، فضعفت قلوبهم، وجمحت شهواتهم». وهذا عمر بن الخطاب -رضي الله
عنه- يقول: «إياكم والبطنة في الطعام والشراب، فإنها مفسدة للجسد، مورثة للسقم، مكسلة
عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما، فإنه أصلح للجسد، وأبعد من السرف، وإن الله تعالى
ليبغض الحبر السمين، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه». ويقول أبو
سليمان الداراني: «من شبع دخل عليه ست آفات: فقد حلاوة المناجاة، وتعذر حفظ
الحكمة، وحرمان الشفقة على الخلق لأنه إذا شبع ظن أن الخلق كلهم شباع، وثقل
العبادة، وزيادة الشهوات، وأن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد، والشباع يدورون
حول المزابل».
3-
تمكن الدنيا من القلوب:
وذلك أن الدنيا
إذا تمكنت من القلوب حملت صاحبها حملًا على الركون إليها، والاطمئنان والرضا بها،
والغفلة عن الآخرة وترك العمل لهذه الآخرة، وهذا هو القعود بعينه. ولقد بين سبحانه
وتعالى في كتابه هذا السبب حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ
إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (التوبة 38).
يقول ابن عطية
-رحمه الله-: وهذه الآية بلا خلاف نازلة عتابًا على تخلف من تخلف عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكانت سنة 9 من الهجرة بعد الفتح بعام، غزا فيها
الروم في 30 ألفًا بين راكب وراجل، وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال من المؤمنين
كثير ومنافقون، فالعتاب في هذه الآية هو للقبائل والمؤمنين الذين كانوا بالمدينة،
وخص الثلاثة كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية بذلك التأنيب الشديد
بحسب مكانهم من الصحبة إذ هم من أهل بدر وممن يقتدى بهم، وكان تخلفهم لغير علة حسب
ما يأتي. ويقول أيضًا في قوله «أرضيتم»: تقرير يقول: أرضيتم بنزر الدنيا على خطير
الآخرة وحظها الأسعد.
وكذلك نبه رب
العزة إلى هذا في قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا
أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ
عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ
اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا
الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا
قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (النساء
77). يقول ابن عطية: ومعنى كفوا أيديكم: امسكوا عن القتال. وقوله يخشون الناس
كخشية الله، يعني أنهم كانوا يخافون الله في جهة الموت لأنهم لا يخشون الموت إلا
منه، فلما كتب عليهم قتال الناس رأوا أنهم يموتون بأيديهم فخشوهم في جهة الموت كما
كانوا يخشون الله. ويقول أيضًا: إلى أجل قريب؛ الأجل القريب يعنون به موتهم على
فرشهم، هكذا قاله المفسرون، وهذا يحسن إذا كانت الآية في اليهود أو المنافقين،
وأما إذا كانت في طائفة من الصحابة، فإنما طلبوا التأخر إلى وقت ظهور الإسلام
وكثرة عددهم.
ونبه إليه أيضًا
في قوله سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ
صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ
بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ (النحل
106-107). يقول ابن عطية: ولما فعلوا فعل من استحب ألزموا ذلك، وإن كانوا غير
مصدقين بالآخرة لكن الأمر في نفسه بين، فمن حيث أعرضوا عن النظر فيه كانوا كمن
استحب غيره.
ويقول العلامة
الألوسي -رحمه الله-: «ذلك» إشارة إلى الكفر بعد الإيمان أو الوعيد الذي تضمنه
قوله تعالى «فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم»، أو المذكور من الغضب والعذاب،
«بأنهم» أي بسبب أن الشارحين صدورهم بالكفر استحبوا الحياة الدنيا، أي آثروها
وقدموها، ولتضمن الاستحباب معنى الإيثار قيل «على الآخرة» فعدي بـ«على»، والمراد
على ما في تفسير البحر المحيط لأبي حيان أنهم فعلوا فعل المستحبين ذلك، وإلا فهم
غير مصدقين بالآخرة. وكذلك نبه إليه في قوله سبحانه: ﴿عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ
ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (النجم 29). يقول ابن
عطية: وقوله «ولم يرد إلا الحياة الدنيا» معناه: لا يصدق بغيرها، فسعيه كله وصلته
إنما هي لدنياه.
ويقول الألوسي:
فأعرض عمن أعرض عن ذكرنا المفيد للعلم الحق، وهو القرآن العظيم المنطوي على بيان
الاعتقادات الحقة، المشتمل على علوم الأولين والآخرين، المذكر للآخرة وما فيها من
الأمور المرغوب فيها والمرهوب عنها. والمراد بالإعراض عنه ترك الأخذ بما فيه وعدم
الاعتناء به. وقيل المراد بالذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالإعراض عنه ترك
الأخذ بما جاء به. وقيل المراد به الإيمان، وقيل هو على ظاهره والإعراض عنه كناية
عن الغفلة عنه عز وجل. «ولم يرد إلا الحياة الدنيا» راضيًا بها، قاصرًا نظره
عليها، جاهدًا فيما يصلحها كالنضر بن الحارث والوليد بن المغيرة. والمراد من الأمر
المذكور النهي عن المبالغة في الحرص على هداهم، كأنه قيل: لا تبالغ في الحرص على
هدى من تولى عن ذكرنا وانهمك في الدنيا بحيث كانت منتهى همته وقصارى سعيه.
4-
عدم استصحاب نية المضي إلى آخر الطريق وعدم العمل بمقتضى هذه النية:
وذلك أن سنته
سبحانه في خلقه مضت بأن من نوى الخير وعمل بمقتضى هذه النية فإنه سبحانه يوفقه
ويزيده حتى يصل إلى ما يريد، ومن نوى الشر وعمل بمقتضى هذه النية فإنه سبحانه
يتخلى عنه ويخذله فلا يوفق إلى خير أبدًا ويضيع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ
اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد 17)، ﴿قُلْ مَنْ كَانَ
فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا
يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ
شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا * وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا
هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ
مَرَدًّا﴾ (مريم 75-76)، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (الصف
5).
وانطلاقًا من
هذه السنة لله في خلقه، فإن من لا يستصحب نية المضي في الطريق إلى نهايتها ويترك
العمل بمقتضى هذه النية تكون عاقبته الحرمان من توفيق الله وتأييده ويكون القعود.
وقد نبه رب العزة إلى هذا السبب وهو يتحدث عن المنافقين الذين قعدوا عن شهود تبوك
مع النبي صلى الله عليه وسلم بأعذار واهية، وأن السبب الحقيقي إنما هو عدم استصحاب
نية الجهاد والخروج مع رسول الله، وآية ذلك أنهم لم يعملوا بمقتضى هذه النية،
فكانت العاقبة أن كره الله خروجهم فخذلهم، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا
الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ
فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (التوبة 46). يقول ابن عطية:
وقوله تعالى «ولو أرادوا الخروج» الآية حجة على المنافقين، أي ولو أرادوا الخروج
بنياتهم لنظروا في ذلك واستعدوا له قبل كونه. ويقول الألوسي: «ولو أرادوا الخروج
لأعدوا له عدة» أي أهبة من الزاد والراحلة وسائر ما يحتاج إليه المسافر في السفر
الذي يريده.
5-
العيش وسط القاعدين:
وذلك أن المرء
كثيرًا ما يتأثر بالوسط الذي يعيش فيه، سواء أكان هذا الوسط قريبًا وهو البيت، أم
بعيدًا وهو المجتمع، لاسيما إذا لم تكن لديه الحصانة الكافية التي يقاوم بها هذا
الوسط القاعد، وكان هذا الوسط حريصًا على إقعاده بطريق أو بأخرى، من سخرية
واستهزاء إلى إغواء وإغراء إلى تخويف وتثبيط إلى غير ذلك، وليست له من تهمة ولا
جريرة إلا أنه عامل متحرك بدين الله عز وجل، وتكون العاقبة التخلف والقعود. ولذا
جاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»،
«لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي».
6-
عدم اليقين بوعد الله ورسوله:
ذلك أن الله وعد
المؤمنين العاملين بالاستخلاف والتمكين والأمن والأمان، قال تعالى: ﴿وَعَدَ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا
وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور 55)،
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ
الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات 171-173)،
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح 28)، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا
نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصف 8-9).
وأكد النبي صلى
الله عليه وسلم ذلك فقال: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله
بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله
به الإسلام، وذلًا يذل به الكفر». «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم
يرفعها إذا شاء، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم
يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا (وفي رواية: عضوضًا)، فتكون ما شاء
الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا، فتكون ما شاء
الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة».
«بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل
الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب». إلى غير ذلك من الأحاديث. ومن لم يوقن
بهذا الوعد فإنه يقعد لا محالة ويترك العمل لدين الله من الدعوة والجهاد.
ولقد نبه رب
العزة إلى هذا السبب وهو يتحدث عن قعود المنافقين بقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ
مِنَ الْأعرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ
وَرَسُولَهُ﴾ (التوبة 90). يقول ابن جرير الطبري: يقول تعالى ذكره: وجاء رسول الله
صلى الله عليه وسلم المعتذرون من الأعراب ليؤذن لهم في التخلف، وقعد عن المجيء إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه الذين كذبوا الله ورسوله وقالوا الكذب
واعتذروا بالباطل.
7-
مباغتة معوقات الطريق مع عدم الفطنة والاستعداد لهذه المعوقات:
ذلك أن هناك
معوقات على الطريق؛ من النفس الأمارة بالسوء إلى شيطان الجن إلى شياطين الإنس إلى
الدنيا ببريقها وزيناتها ممثلة في الأزواج والأولاد والأموال والمناصب والوجاهة
والسلطان ونحوها، إلى طول الطريق نفسها، وما لم يكن المرء فطنًا مستعدًا لهذه
العقبات وتباغته فإنه يصاب بالقعود لا محالة، إلا أن يتغمده الله سبحانه وتعالى
بفضل منه. وفي قصة الذي كان يعرف بـ«حمامة المسجد» وطلب من النبي صلى الله عليه
وسلم أن يدعو الله له بالغنى، ونصحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «قليل تؤدي
شكره خير من كثير يطغيك»، وألح حتى دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه له بالغنى
وجاءته الدنيا وما كان فطنًا مستعدًا فضاع، وفيه نزل قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ
مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ
وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا
بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ
إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا
كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ
وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (التوبة 75-78).
هذه القصة تشرح
لنا هذا السبب بجلاء ووضوح. يقول الإمام الطبري معلقًا على الآيات المذكورة: يقول
تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين الذين وصفت لك يا محمد صفتهم من عاهد الله يقول:
عليَّ لله عهد لئن أتانا من فضله، يقول: لئن أعطانا الله من فضله ورزقنا مالًا
ووسع علينا من عنده، لنصدقن يقول: لنخرجن الصدقة من ذلك المال الذي رزقنا ربنا،
ولنكونن من الصالحين يقول: ولنعملن فيها بعمل أهل الصلاح بأموالهم من صلة الرحم به
وإنفاقه في سبيل الله. يقول الله تبارك وتعالى: فرزقهم الله وأتاهم من فضله، فلما
أتاهم الله من فضله بخلوا به، بفضل الله الذي أتاهم، فلم يتصدقوا منه ولم يصلوا
منه قرابة، ولم ينفقوا منه في حق الله، وتولوا يقول: وأدبروا عن عهدهم الذي عاهدوه
الله وهم معرضون عنه، فأعقبهم الله نفاقًا في قلوبهم ببخلهم بحق الله الذي فرضه
عليهم فيما أتاهم من فضله وإخلافهم الوعد الذي وعدوا الله ونقضهم عهده، في قلوبهم
إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه من الصدقة والنفقة في سبيله وبما كانوا
يكذبون في قيلهم، وحرمهم التوبة منه لأنه جل ثناؤه اشترط في نفاقهم أنه أعقبهم
إياه إلى يوم يلقونه وذلك يوم مماتهم وخروجهم من الدنيا.
8-
التأخير إلى موقع الجندية بعد القيادة:
وذلك أن الواقع
قد شهد بأن بعض الناس حين يكون في موقع القيادة ولسبب أو لآخر يرد إلى موقع
الجندية، تكبر عليه نفسه، لاسيما إذا نظر إلى القيادة على أنها تشريف لا تكليف،
وغنائم لا تبعات، وحينئذ لا يكون منه إلا القعود والتخلي عن أداء الواجب. وقد
شاهدت بعيني رأسي شابًا نشطًا عاملًا لدين الله، وبلغ به نشاطه أن كانت له حلقة
علمية يحضرها كثيرون، ولسبب أو لآخر طلب منه أن يكون تلميذًا لا أستاذًا، جنديًا
لا قائدًا، فورمت أنفه وشرق بريقه وقعد عن العمل لدين الله وترك الواجبات المنوطة
به، وحين فوتح في ذلك أجاب بأن الجندية خنق وقتل للمرء والقيادة حرية وانطلاق،
فكيف تضيع مني القيادة وأرضى بالجندية وبينهما من الفرق ما بينهما. فكان الرد على
الفور: رحم الله أبا سليمان خالد بن الوليد، فقد جاء كتاب العزل من أمير المؤمنين
عمر لمصلحة رآها عمر، وكان هو القائد المظفر، فنفذ ما في الكتاب وكله فرح وسرور،
وأخذ مكانه جنديًا بين الجنود، وقال مقولته المشهورة: «والله لو ولى علي عمر عبدًا
أسود اللون لسمعت وأطعت ما دام يقودني بكتاب الله».
9-
الاغترار بوعود الباطل:
وذلك أن الباطل
يحاول بطريق أو بآخر تكثير سواد القاعدين من المسلمين الدعاة العاملين لدين الله،
وله في ذلك أساليب كثيرة، منها الوعود البراقة بمال أو بمنصب أو بوجاهة، مثلما
حاول عتبة بن ربيعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن الناس من تنطلي عليه هذه
الوعود وينساق وراءها تاركًا الالتزام بمنهج الله والعمل لدينه من أجل الظفر بهذه
الوعود. وقد شاهدنا في تاريخ الحركة الإسلامية في العصر الحاضر نفرًا زين لهم أهل
الباطل القعود حين منحوهم بعض المناصب العليا فقعدوا، ثم ألقى بهم هؤلاء في العراء
عند أول تغيير لمن يشغلون هذه المناصب، وما أغنت عنهم هذه الوعود من الله شيئًا،
بل على العكس لقد أغضبوا ربهم حين ركنوا إلى الظالمين وأيدوهم أو أعانوهم على
ظلمهم وبغيهم في الأرض بغير الحق.
وفي الأدب
الرمزي قصة الذي غضب لله أول مرة لأن شجرة تعبد من دون الله، وعبر عن غضبه هذا
بمحاولة قطع الشجرة، فناجاه الشيطان الذي تمثل له في صورة بشر ودافعه عن الشجرة
ببعض المال كل صباح، فقعد طمعًا في تحقيق هذا الوعد، وما هي إلا أيام حتى ذاب هذا
الوعد وصار سرابًا، وحاول قطع الشجرة هذه المرة ولم ينجح لأن غضبه لم يكن لله
وإنما كان للوعد الذي أخلف ولم يتحقق. وهكذا يؤدي الاغترار بوعود الباطل إلى
القعود والتخلي عن الواجب.
10-
عدم وجود منهاج يعلو الحياة ويقضي على الفراغ:
إن المسلم إذا
لم يشغل نفسه بمنهاج يملأ حياته ويقضي على الفراغ، من تدبر وتفكر إلى عبادات
مخصوصة كصلاة ونحوها، إلى رعاية للآداب الاجتماعية، إلى قيام بحق الأهل والولد،
إلى كسب للعيش، إلى اشتغال بدعوة وهداية الآخرين، إلى الوقوف في وجه الكفار
والمنافقين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، إلى غير ذلك مما يعد جزءًا
من رسالة المسلم في الأرض؛ إذا لم يشغل المسلم نفسه بمنهاج كهذا، فإن نفسه الأمارة
بالسوء تملي عليه بإغواء من شياطين الجن والإنس وبتأثير من زخرف الحياة الدنيا
منهاجًا باطلًا غير ما يريد الله ورسوله، ويأخذ في تنفيذ هذا البرنامج، وذلك هو
عين القعود.
11- عدم ملاءمة المنهاج للطاقات والإمكانات:
وذلك أن المسلم
لا يبقى حيًّا نشطًا متحركًا إلا في ظل منهاج ملائم لطاقاته وإمكاناته، ويوم أن
يخلو المنهاج من هذه الملاءمة، كأن يكون فوق المستوى أو دون المستوى، فإن العاقبة
ستكون القعود والترك إلا من رحم الله. ولعل هذا هو سر مخاطبته صلى الله عليه وسلم
لكل واحد من أصحابه بما يلائمه ويتناسب مع ميوله وإمكاناته وطاقاته، بل وعلله
وأمراضه؛ فقد كان يخاطب الجميع خطابًا عامًا، ويأتي إلى الخاصة ويخاطبهم خطابًا
فوق خطاب العامة. عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ
رديفه على الرحل قال: «يا معاذ بن جبل»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «يا
معاذ»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك «ثلاثًا»، قال: «ما من أحد يشهد ألا إله إلا
الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على
النار»، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: «إذن يتكلوا»،
وأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا (21).
12-عدم إعطاء العامل حقه من الاحترام والتوقير:
وذلك أن المرء
غالبًا ما يظل في أداء واجبه والقيام بما تفرضه عليه رسالته ما لم يهن أو يحتقر،
فإن حدث وحرم هذا المرء حقه من الاحترام والتوقير في حدود الضوابط الشرعية؛ فإنه
يرد على ذلك غالبًا بالقعود والتخلي عن أداء الواجب. ولعل هذا هو سر دعوته صلى
الله عليه وسلم المسلمين أن يراعوا الآداب الاجتماعية فيما بينهم إذ يقول: «ليس
منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر» (22)، وفي
رواية: «ليس منا من لم يرحم» (صحيح مسلم) (23).
13-
تحميل النفس من الواجبات فوق ما تطيق:
وذلك أن أي عمل
من الأعمال تكون له في البداية حلاوة، وقد يلقى من العامل إقبالًا واستفراغًا لكل
ما في وسعه وما في طاقته، وربما رأى ذلك من يحيطون به فيلقون ببعض ما في أيديهم من
واجبات وتكاليف عليه، ولا يلتفت هو إلى ذلك ويقبل منهم ويمضي، وبعد فترة من الزمان
يجد نفسه قد أنهكه العمل وأضناه فيفتر، وإذا لم يبادر بالعلاج والتخلص من هذه
الحال يكون القعود والانقطاع عن أداء الواجب. وفي آفة الغلو في الدين أو التنطع من
الجزء الثالث من هذا الكتاب صورة دقيقة لكيفية إيصال هذه الآفة لصاحبها إلى القعود
والترك.
14-
عدم تجاوز الآخرين عن أي هفوة من الهفوات:
وذلك أن المرء
بطبيعته مجبول على الخطأ باستثناء الأنبياء والمرسلين لما أكرمهم الله عز وجل به
من العصمة، والمحاسبة سبيل من سبل التخلص من هذا الخطأ، ومن أساليب المحاسبة
التجاوز أحيانًا عن بعض الهفوات والزلات اليسيرة كيلا يسيطر اليأس والقنوط على
النفس. وقد لا ينتبه البعض إلى هذا الأسلوب، ويحمله إتقان العمل وإجادته على
المؤاخذة في الأمور حتى لو كانت يسيرة بسيطة، وربما لا يتحمل العامل ذلك وتكون
العاقبة القعود والتخلي عن أداء الواجب. ولعل هذا هو سر دعوة الإسلام إلى العفو مع
القدرة على الانتقام والبطش؛ إذ يقول سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران 134)،
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف
199)، ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا
أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور 22).
15-
الظن أن في القعود سلامة وعافية:
وذلك أن الشيطان
قد يسول لبعض الناس القعود وترك العمل لدين الله بحجة حماية نفسه وغيره من المحنة،
لاسيما في عصرنا هذا الذي تنمر فيه الباطل وتفرغ للعاملين لدين الله بحيث لم يعد
لديه من شغل شاغل إلا هم، ناسيًا أو متناسيًا أن السلامة والعافية منة ومحض فضل من
الله سبحانه وتعالى، بيد أن سنته سبحانه وتعالى مضت أن يمنحهما للمتقين العاملين،
كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور 55)، ﴿الَّذِينَ
آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ
وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام 82)، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ
بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد 28).
وربما يدخل الشيطان من مدخل آخر إذ يقول للعامل: إنك تخطئ وترتكب كثيرًا من
المعاصي والآثام، وهذا يؤخر عون الله وتأييده عن العاملين، بل ربما يكون سببًا في
كارثة أو محنة تنزل بالجميع، وخير لك أن تبتعد عن طريق هؤلاء البررة الأتقياء من
عباد الله لتحل عليهم السلامة وتصيبهم العافية، ناسيًا أو متناسيًا أنهم مثله
يصيبون ويخطئون، غير أنه وهؤلاء لا يصرون على الخطأ بل يبادرون إلى التوبة
والإنابة والرجوع إلى الله عز وجل.
16-
عدم استجابة الآخرين:
وذلك أن نفرًا
من الدعاة يتوهم أنه لا ينجح في مهمته إلا إذا استجاب الآخرون وقبلوا منه ما يقول،
فإن لم يستجيبوا لما يقول كان منه القعود والتخلي عن المضي في الطريق إلى نهايتها،
ناسيًا أو متناسيًا أن قلوب العباد جميعًا بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد
يصرفه كيف يشاء، وأن الله قال لنبيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص
56)، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى 48).
17-
الغفلة عن عاقبة القعود:
وأخيرًا قد تكون
الغفلة عن الآثار والعواقب المترتبة على القعود، فردية كانت أو جماعية، دنيوية
كانت أو أخروية، هي السبب في القعود. وقد رأينا في العصر الحاضر نفرًا ممن قعدوا
في حال لا يحسدون عليها الآن وهم يقولون: والله لو درينا أن القعود سيصل بنا إلى
هذا المستوى وإلى هذا الحال ما قعدنا.
الهوامش
(1) انظر: جامع
البيان في تفسير القرآن 202/1.
(2، 3) انظر:
الداء والدواء أو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، فصل المعاصي عدو لدود،
ص 138-149.
(4، 5) انظر:
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (183/8، 184).
(6) انظر:
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 178/4.
(7) انظر:
المحرر الوجيز 179/4.
(8) انظر:
المحرر الوجيز 328/10.
(9) انظر: روح
المعاني 329/14/10-338.
(10) انظر:
المحرر الوجيز 371/10.
(11) انظر: روح
المعاني 60/27/10.
(12) انظر:
المحرر الوجيز 194/8.
(13) انظر: روح
المعاني 111/4/10.
(14) الحديث
أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، 16/5 رقم 4833،
والترمذي في السنن: كتاب الزهد، باب منه، 509/4 رقم 2378، كلاهما من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه مرفوعًا بهذا اللفظ، وعقب الترمذي على حديثه بقوله: هذا حديث
حسن غريب.
(15) الحديث
أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، 167/5-168 رقم 4832،
والترمذي في السنن: كتاب الزهد: باب ما جاء في صحبة المؤمن، 519/4 رقم 2395،
والدارمي في السنن: كتاب الأطعمة، باب من كره أن يطعم طعامه إلا الأتقياء، 103/2،
كلهم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وعقب الترمذي على حديثه قائلًا: هذا حديث
حسن إنما نعرفه من هذا الوجه.
(16) الحديث
أورده الدكتور يوسف القرضاوي في كتاب (ثقافة الداعية) ص 66 وعزاه إلى ابن حبان في
صحيحه.
(17) الحديث
أخرجه أحمد في المسند 172/4 من حديث حذيفة مرفوعًا، وأورده الهيثمي في مجمع
الزوائد: كتاب الخلافة، باب كيف بدأت الإمامة وما تصير إليه والخلافة والملك،
188/5-189 من حديث حذيفة مرفوعًا، وعقب عليه بقوله: رواه أحمد في ترجمة النعمان بن
بشير، والبزار أتم منه، والطبراني ببعضه في الأوسط ورجاله ثقات. وعن الهيثمي نقل
الدكتور يوسف القرضاوي في (ثقافة الداعية) ص 67-68.
(18) الحديث
أخرجه أحمد في المسند 134/5 من حديث أبي بن كعب مرفوعًا بلفظ: «بشّر هذه الأمة
بالسناء والتمكن في البلاد والنصر والرفعة في الدين، ومن عمل منهم عمل الآخرة
للدنيا فليس له في الآخرة نصيب». وأورده المنذري في الترغيب والترهيب: كتاب إخلاص
النية واتباع الكتاب والسنة، باب الترهيب من الرياء أو ما يقوله من خاف شيئًا منه
(107/1) رقم 15، المنتقى من كتاب الترغيب والترهيب للمنذري، انتقاء الدكتور يوسف
القرضاوي، من حديث أبي بن كعب مرفوعًا بهذا اللفظ، وعقب عليه بقوله: رواه أحمد
وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وقد أقره الذهبي
على ذلك في التلخيص 311/4، وعاد فعقب عليه في 318/4 بقوله: «فيه من الضعفاء محمد
بن الأشرس السلمي وغيره»، والسر في هذا الاختلاف أن الإسناد الأول صحيح والآخر
ضعيف كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي.
(19) انظر: جامع
البيان للطبري 144/10.
(20) انظر: جامع
البيان 130/7/10.
(21) الحديث
أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا
يفهموا، 44/1، ومسلم في الصحيح: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على
التوحيد دخل الجنة قطعًا، 61/1 رقم 32، كلاهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه
مرفوعًا واللفظ للبخاري.
(22) الحديث
أخرجه الترمذي في السنن: كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الصبيان، 284/4،
وأحمد في المسند 257/1، كلاهما من حديث عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا واللفظ للترمذي،
وعقب الترمذي على حديثه بقوله: هذا حديث حسن غريب.
(23) هذه
الرواية أخرجها الترمذي أيضًا في السنن: كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة
الصبيان، 284/4 رقم 1920، من حديث محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وساق الحديث بهذا اللفظ، وعقب عليه بقوله:
«وحديث محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب حديث حسن صحيح»، وأخرجها أحمد في المسند
207/2 من حديث محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: «ليس منا من لم يعرف حق كبيرنا ويرحم صغيرنا». ومعنى قوله صلى
الله عليه وسلم: «ليس منا»: ليس من سنتنا، ليس من أدبنا، هذا رأي نفر من العلماء،
وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد كان سفيان الثوري يذكر هذا التفسير أي الذي
قدمنا من نفر من العلماء ويقول: «ليس منا» ليس من ملتنا. هكذا ذكر التفسيرين
الإمام الترمذي في السنن 284/4، والتفسير الجامع بين التفسيرين المذكورين قياسًا
على ما ذكره ابن حجر في فتح الباري 104/9-105 في معنى قوله صلى الله عليه وسلم في
حديث الرهط الذين عزموا على التبتل وترك الزواج «فمن رغب عن سنتي فليس مني»، هو أن
نقول: إن كان عدم قيامه بحق الكبار ورحمة الصغير ناشئًا من تأويل مع ذهول وعدم انتباه
فالمراد المعنى الأول، وإن كان ناشئًا من إعراض وتنطع عن الهدي النبوي بحجة أنه
ليس بشيء فالمراد المعنى الثاني. والله أعلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل