العنوان آفات على الطريق (٢٧) الحلقة الرابعة: علاج تنافس الدنيا ووسائل الخلاص منه
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1994
مشاهدات 92
نشر في العدد 1114
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 30-أغسطس-1994
البصر بحقيقة الدنيا، وأنها ليست غاية ولا هدفًا يركن إليها ويسابق
الآخرين فيها، يجعل المرء يضع الدنيا في موضعها الصحيح.
خامسًا: علاج تنافس الدنيا
وإذ قد فرغنا من تعريف تنافس الدنيا، وتحديد مظاهره وموقف الإسلام
منه، والأسباب المؤدية إليه، والآثار المترتبة عليه سواء على العاملين أو على
العمل الإسلامي، فإن من السهل بعون الله وتوفيقه رسم طريق العلاج وتتلخص هذه
الطريق في:
1- اليقين التام
بأن حظوظ الدنيا تجري بالمقادير، وأنه مهما أتعب المرء نفسه، وتكالب على الدنيا،
وتبارى مع الآخرين في تحصيلها أو نيل حظ منها، فإنه لن يصل إلى شيء فوق ما قسم
الله، إذ قد يقود اليقين صاحبه إن كان صادقًا أن يمشي الهوينا، وأن يأخذ بالأسباب
البشرية فقط ويدع ما قسم الله لله، والله سبحانه لا يضيع أجر المحسنين.
2- والبصيرة
التامة بحقيقة الدنيا، وأنها ليست غاية أو هدفًا، وإنما هي وسيلة لغاية وهدف،
وعليه فلا يصح أن يقف عندها طويلًا أو يركن إليها، ويسابق الآخرين في جمعها
وتحصيلها.
3- وأن ينزع
المسلم نفسه أو أن ينتزعه الآخرون من الوسط الحريص على الدنيا المتنافس فيها، ثم
يلقي بنفسه في وسط من يريدون الله ورسوله، والدار الآخرة، ولا ينسون نصيبهم من
الدنيا، فلعل ذلك يسهم في اقتلاع الدنيا من القلوب ويجعلها في الأيدي، وبذلك يقضي
على سبب رئيسي من أسباب تنافس الدنيا.
4- وأن يوقن أن
المرء مهما حصل من الدنيا فلن يشبع أبدًا، إذ لو كان لابن آدم واديان من مال،
لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب،
كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح.
5- وأن يعدل من
نظرته إلى إقبال الدنيا بحيث لا يراها مجالًا للتنافس وإنما يراها فتنة يخاف على
نفسه منها كما قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ
وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: 35).
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ
أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم
بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (الأنعام: 44).
6- وأن يداوي
المرء نفسه من آفات الإعجاب بالنفس، والغرور والتكبر، فيقضي بذلك على باب كبير
يمكن أن يؤدي إلى التسابق والتباري في تحصيل الدنيا.
7- وأن يخفف من
طول الأمل ما استطاع إلى ذلك سبيلًا واضعًا في حسابه أن طول الأمل لا يليق بعبد
ضعيف جاهل لا يدري متى الرحيل عن هذه الدار، ولا ما يكون بعد هذا الرحيل.
8- وأن ينعم النظر
في كتاب الله وسنة وسيرة نبينا محمد ليرى ماهية وحقيقة الدنيا في جنب ماهية وحقيقة
الدار الآخرة ولعل هذه الرؤية تولد لديه قناعة ويقينًا أن الدنيا أقل وأحقر من أن
يتكالب الناس عليها، ويتنافسوها.
9- دوام تذكر
الموت والدار الآخرة وحاله عند سكرات الموت، وعند دخوله قبره وقد انقطع عنه كل
شيء، وأوله هذه الدنيا تلك التي أفنى عمره في طلبها، والتكالب عليها، والتنافس
فيها، ثم حاله عند السؤال وما يكون بعده من نعيم وراحة، أو شقوة وتعب، وحاله عند
البعث والنشور، والحشر والعرض على الله، إلى غير ذلك مما يكون يوم القيامة حتى
يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ولعل تذكر ذلك يخوفه من داخله،
ويحمله على أن يخرج حب الدنيا من القلب، ويجعلها في اليد، وينسيه التسابق والتباري
في طلبها وحيازتها.
10- طول النظر في
سيرة سلف هذه الأمة، وكيف كان تواصيهم فيما بينهم وأخذهم أنفسهم بمنهج أن الدنيا
أقل وأحقر من أن يفنوا أعمارهم في طلبها والتنافس فيها لذاتها مستخدمين معها قول
الله -عز وجل-:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا
تَنَسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾
(القصص: 77).
هذا الحسن يقول: من نافسك في دينك فنافسه ومن نافسك في دنياك فألقها
في نحره (1).
وهذا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يقدم عليه أبو حازم سلمة بن
دينار الأعرج، فيعرفه عمر وأبو حازم لا يعرفه، فيقول له عمر ادن مني يا أبا حازم
وحين يدنو منه يعرفه فيقول له: أنت أمير المؤمنين؟ فيقول عمر: نعم فيقول: ألم تكن
بالمدينة بالأمس أميرًا؟ قال: نعم، قلت: كان مركبك وطيئًا، وثوبك نقيًا، ووجهك
بهيًا، وطعامك شهيًا، وحرسك كثيرًا فما الذي غير ما بك، وأنت أمير المؤمنين؟ فبكى،
ثم قال يا أبا حازم كيف لو رأيتني بعد ثالثة في قبري! قد سالت حدقتاي على وجنتي،
وانشق بطني، وجرت الديدان في بدني، لكنت أشد إنكارًا لي من يومك هذا أعد عليّ
الحديث الذي حدثتنيه بالمدينة قلت: نعم يا أمير المؤمنين: سمعت أبا هريرة يقول:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن بين أيديكم عقبة كؤودًا مضرسة، لن
يجوزها إلا كل ضامر مهزول، فبكى، ثم قال: تلومني يا أبا حازم أن أضمر نفسي لتلك
العقبة، لعلي أنجو منها، ما أظنني بناج منها (2).
وقال أبو حازم هذا:
"نعمة الله فيما
زوى عني من الدنيا أفضل من نعمته فيما أعطاني منها، إني رأيته أعطاها قومًا
فهلكوا"، "رأيت الدنيا شيئين شيئًا منها هو لي فلن أعجله قبل أجله، ولو
طلبته بقوة السموات والأرض وشيئًا منها هو لغيري، فذاك ما لم أنله فيما مضى، ولا
أرجوه فيما بقي، يمنع الذي لغيري مني، كما يمنع الذي لي من غيري؛ ففي أي هذين أفني
عمري الناس عاملان عامل في الدنيا للدنيا، قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من
يخلف الفقر، ويأمنه على نفسه، فيفنى عمره في بغية غيره وعامل في الدنيا لما بعدها،
فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل، فأصبح ملكًا عند الله، لا يسأل الله شيئًا
فيمنعه".
ومن قبل كتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لسعد عندما فتح الله عليه:
أما بعد فأعرض عن زهرة ما أنت فيه حتى تلقى الماضين الذين دفنوا في أسمالهم (3)
لاصقة بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، لم تفتنهم الدنيا، ولم يفتنوا
بها أرغبوا فطلبوا، فما لبثوا أن لحقوا، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا في كبر
سنك، ورسوخ علمك، وحضور أجلك، فمن يلزم الحدث في سنه الجاهل بعلمه المأفون (4) في
رأيه المدخول في عقله، إنا لله وإنا إليه راجعون (5).
إلى غير ذلك من أخبار هؤلاء في هذا الباب.
ولعل طول هذا النظر يولد في النفس معنى الاقتداء والتأسي أو على الأقل
المحاكاة والتشبه.
11- دوام التذكير
والتبصير بالدنيا، والتنافس فيها، فإن الإنسان كثيرًا ما ينسى وعلاج هذا النسيان،
إنما يكون بالتذكير والتبصير، ولهذا يقول الحق -تبارك وتعالى-: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ
الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: 55). ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ
الذِّكْرَى﴾ (الأعلى: 9).
12- دوام مراقبة
الله في الدخول والخروج، في السر والعلانية في كل الظروف وفي سائر الأحايين، فإنها
إن كانت صادقة تحجز عن كل شر، وتدفع إلى كل خير، ثم يكون مع المراقبة المشارطة،
والمحاسبة، وتصحيح الخطأ بالإنابة والتوبة النصوح، ولعل هذه الخطوات بمرور الزمن
مع الجدية وأخذ الأمر بحزم وقوة، تفيد في القضاء أو على الأقل التخفيف من تنافس
الدنيا.
الهوامش:
1- الأثر سبق
تخريجه.
2- انظر: تهذيب
تاريخ دمشق لابن عساكر 6/219.
3- أسمالهم جمع
سمل، وهو الخلق من الثياب انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 2/183.
4- المأفون: ناقص
العقل، يقال رجل أفين، ومأفون ناقص العقل انظر النهاية في غريب الحديث 1/36.
5- انظر: هذه
الأخبار في تهذيب تاريخ دمشق 6/227،226.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل