; المجتمع التربوي (1644) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1644)

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر السبت 26-مارس-2005

مشاهدات 75

نشر في العدد 1644

نشر في الصفحة 52

السبت 26-مارس-2005

آفات على الطريق

د. السيد محمد نوح

أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الكويت

ما أكثر الأمراض الأخلاقية والآفات الاجتماعية التي يعاني منها بعض الأفراد والمجتمعات.. حري بنا أن نتوقف عندها ونحذر منها ونقدم علاجا لها ... وقد اهتم فضيلة الدكتور السيد نوح بهذه القضية وأصدر فيها أكثر من مؤلف. وهذه المقالات التي بين أيديكم جديدة في موضوعها وطرحها ولم يسبق نشرها. 

عقوق الوالدين (۱ من ۲)

مظاهره وآثاره

من أخطر آثار العقوق حلول الغضب الإلهي..بغض الناس الحرمان من الجنة.

عقوق الوالدين آفة ذات أثر خطير. وعواقب وخيمة على العاملين وعلى العمل الإسلامي، وحتى يتخلص من هذه الآفة من ابتلي بها، ويتجنبها من سلمه الله عز وجل منها، فإننا سنعرض لها من هذه الجوانب.

أولاً: معنى عقوق الوالدين

لغة العقوق له معان منها: ۱-الشق والقطع، تقول: عق رحمه قطعها، وعق عقا: انشق، وعق ثوبه شقه.

۲- الاستحلاب، تقول: عقت الريح السحاب استحلبته وكأنها شقته، ولا تعارض، إذ هو : استحلاب الشيء وإخراج خيره بعد شقه وقطعه. وأما الوالدان فهما الأب والأم، وإن علوا، اصطلاحاً ذكر العلماء العقوق الوالدين عدة تعريفات منها:

۱-تعريف الإمام القرطبي المحدث:

عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن برهما موافقتهما على أغراضهما الجائزة لهما، وعلى هذا إذا أمراء أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه إذا لم يكن ذلك الأمر معصية، وإن كان ذلك. المأمور به من قبيل المباحات في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوبات.

۲- تعريف ابن الصلاح

العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد. أو نحوه، تأذياً ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة.

۳-تعريف ابن حجر العسقلاني

والعقوق مشتق من العق، وهو القطع، والمراد به صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلا في شرك أو معصية ما لم يتعنت الوالد.

تعريف ابن حجر المكي

«العقوق أن يحصل لهما، أو لأحدهما، إبداء ليس بالهين عرفاً».

ثانياً: أهم مظاهر العقوق وحكمه

العقوق الوالدين مظاهر تدل عليه تذكر منها:

١-عدم إبراز قسمهما أو قسم أحدهما فيما ليس بمعصية، مع قدرته على إبرار هذاالقسم.

٢- عدم طاعة أمرهما أو أمر أحدهما فيما ليس بمعصية، مع القدرة على الطاعة. 

٣-عدم إجابة سؤالهما أو سؤال أحدهما فيما ليس بمعصية، مع القدرة على الإجابة.

٤- خيانتهما أو خيانة أحدهما، وقد ائتمناه.

٥- الجهاد الكفائي دون إذنهما، أو إذن الحي منهما.

٦-السفر سفراً يشق عليهما، أو على الحي منهما وليس بواجب

٧-الغياب الطويل عنهما أو عن الحي منهما، وليس في مصلحة من علم نافع، أو كسب حلال، أو نحو ذلك. 

٨-سبهما، أو سب أحدهما. بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر.

٩- العبوس في وجهيهما، أو في وجه أحدهما مع بذل الطاعة ولزوم الصمت.

١٠ – استثقالهما، أو استثقال أمرهما، مع التأفف والضجر.

۱۱ - الامتناع من الإنفاق عليهما ولو إلى حد الكفاف.

۱۲-عدم احترامهما وتوقيرهما بأن يمشي أمام أبيه، وأن يقعد قبله، وأن يدعوه باسمه وأن يحد الطرف إليه، قال عروة بن الزبير ما ير والده من شد الطرف إليه.

 ۱٣- عدم الدعاء لهما أحياء، أو أمواتاً وعدم الاستغفار لهما.

١٤ . عدم صلة أرحامهما، وأصحابهما.

١٥ . عدم قضاء ديونهما المادية والمعنوية.

إلى غير ذلك من هذه المظاهر. وقد جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تتضمن هذه المظاهر، ومنها قوله سبحانه ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)  [ الإسراء24: 23] وقوله لرجل جاءه يستأذنه في الجهاد لك أبوان؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد.

 وقوله لرجل . أقبل، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله، فهل من والديك أحد حي؟ قال: نعم، بل كلاهما، قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم قال: فارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما. وأتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله : إني جئت أريد الجهاد معك ابتغي وجه الله والدار الآخرة، ولقد أتيت وإن والدي ليبكيان، قال: فارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما. وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي . رضي الله عنه قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله إذ جاءه رجل من بني سلم سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما.وإكرام صديقهما. هذا والشرع الحنيف ينظر إلى عقوق الوالدين على أنه من أكبر الكبائر بعد الكفر والشرك بالله. إذ جاء عنه فيما رواه عنه أبو بكرة، أنه قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ثلاثاً: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكناً فجلس فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور ألا وقول الزور، وشهادة الزور فمازال يقولها حتى قلت لا يسكت! وسيأتي في ذكر الآثار المتربة على عقوق الوالدين، ما يؤكد أن هذا العقوق من أكبر الكبائر.

ثالثاً: آثار عقوق الوالدين، وعواقبه

لعقوق الوالدين آثار سيئة، وعواقب خطيرة على العاملين، وعلى العمل الإسلامي، ودونك هذه الآثار:

١- على العاملين

من آثار عقوق الوالدين على العاملين الحرمان من التجارب والخبرات ذلكأن النجاح في الحياة لا يقتصر على مجرد التحصيل العلمي، وإنما لابد له من الخبرات والتجارب والخبرات والتجارب يكتسبها المرء تارة بممارسته هو وتارة أخرى بممارسة الآخرين، والوالدان بالقطع أصحاب خبرات وتجارب، وقد جرت العادة بمنح الخبرات والتجارب لمن يخفض الجناح، ويلين الجانب فإذا عن الولد أبويه، وأساء معاملتهما.. ضنا عليه بخبراتهما، وتجاربهما، وحينئذ تكون حياته سلسلة من الفشل، والانتكاسات، وكفى بذلك عقاباً.

٢ - الحرمان من الدعوات 

ذلك أن المرء. كثيراً ما تعتريه عقبات، ومعوقات، ومهما بذل من جهود لتخطيها فإنه لا يفلح، ويبقى الدعاء السهم النافذ، والورقة الأخيرة، وخير الدعاء دعاء كبار السن والضعفاء، وكلما تقدم السن بالوالدين كانا إلى الضعف أقرب، وكانت الإجابة أسرع، والعقوق يكون سبباً في حرمان الولد من دعوات أبويه، فتتعثر حياته، وتنقطع مسيرته.

٣-حلول الغضب الإلهي

 ذلك أن الوالدين من أجل نعم الله على المرء. إذ هما السبب المادي في وجوده على ظهر هذه الأرض ويجهودهما نشأ وصار ملء السمع والبصر فإذا ما عقهما فقد جحد نعمة الله عليه وجحود النعمة يقتضي الغضب الإلهي والسخط، وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ﴾

[ طه: 81] وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : عن النبي ﷺ قال: رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد.

٤-سقوط هيبة الولد ووقاره

 ذلك أن الناس إذا رأوا من الولد عقوقاً لوالديه، أو لأحدهما، فإنهم ينظرون إليه على أنه خائن الأمانة، جاحد النعمة، وحينئذ تسقط هيبته من قلوبهم ويزول وقاره من أعينهم. يقول النبي : احفظ ود أبيك، لاتقطعه، فيطفئ الله نورك.

٥- بغض الناس للعاق وكراهيتهم 

ذلكأن محبة الناس، والقبول لديهم له أسبابه وبواعثه، ولكن أعظم الأسباب، والبواعث إنما هو رضا الله، ومن غضب الله عليه وسخط فإنه يحرمه محبة الناس، وقبولهم له، بل يعاقبه ببغض هؤلاء وكراهيتهم. وقد جاء هذا صريحاً في الحديث، إذ يقول: إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل، فقال: إني أحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إنا الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلاناً، فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً، فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء. ثم توضع له البغضاء في الأرض.

٦- عقوق أولاد العاق له: على العاق أن ينتظر ثمن عقوقه أبويه في الدنيا: أن يعقه أولاده من باب كما تدين تدان، وقد شهد الواقع صحة ذلك، وصدقه. قال الأصمعي: حدثني رجل من الأعراب قال: خرجت من الحي، أطلب أعق الناس، وأبر الناس، فكنت أطوف بالأحياء، حتى انتهيت إلى شيخ، في عنقه حبل يستقي بدلو، لا تطيقه الإبل في الهاجرة، والحر شديد، وخلفه شاب في يده رشاء، من قد، ملوي، يضربه به، قد شق ظهره بذلك الحبل، فقلت: أما تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف؟ أما يكفيه ما هو فيه من هذا الحبل حتى تضربه؟ قال: إنه مع هذا أبي، قلت: فلا جزاك الله خيراً، قال: اسكت، فهكذا كان هو يصنع بأبيه، وهكذا كان يصنع أبوه بجده، فقلت: هذا أعق الناس.

٧- الحرمان من الجنة ورؤية الله عز وجل: إن كل حرمان في الدنيا يمكن تعويضه بصورة أو بأخرى، أما حرمان الجنة ورؤية الله عز وجل، فهو الحرمان الحقيقي الذي لا يمكن تعويضه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) ﴾ [ الزمر15: 16]والعاق يحرمه الله في الآخرة: الجنة، ورؤيته سبحانه يقول : «ثلاثة لا ينظر الله . عز وجل إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث» وثلاثة لا يدخلون الجنة: «العاق لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنان بما أعطى» .

ب- على العمل الإسلامي:

 من آثار عقوق الوالدين على العمل الإسلامي:

١ - القطيعة والفرقة، ذلك أن العقوق سيمتد من جيل إلى جيل، وتتقاطع الأجيال وتكون الثمرة المرة التمزق، والفرقة، الأمر الذيينتهي إلى الضعف والهزيمة.

 ٢ - سيطرة الأعداء: إذا تمزقت وحدةالمجتمع، وكان الضعف والانهزام سيطر الأعداء واستنزفوا خيرات الأمة، وثرواتها، بل عملوا على تغيير هوية الأمة وثقافتها حتى يظلوا مسيطرين أطول فترة ممكنة.

٣-طول الطريق، وكثرة التكاليف

 إذا أرادت الأمة التخلص من سيطرة الأعداء في هذا الجو المتنافر الممزق فإنها ستتحمل كثيراً من التكاليف، ويطول بها الطريق على الأقل حتى ينقضي هذا الجيل العاق، وينشأ جيل بار بأبويه، محسن إليهما، مترابط، متماسك، يقوم بواجبه في تحرير الأمة من سيطرة الأعداء .


 من أسرار سورة المائدة ( ١ من ٤ )

د.زغلول راغب محمد النجار

زميل الأكاديمية الإسلامية للعلوم


﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 60] 

هذا النص القرآني الكريم جاء في منتصف سورة المائدة وهي سورة مدنية آياتها مائة وعشرون بعد البسملة، وهي من طوال سور القرآن الكريم، ومن أواخرها نزولاً، وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى المائدة التي أنزلها الله «تعالى» من السماء كرامة لعبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم

 « عليهما السلام»  ويدور المحور الرئيس لسورة المائدة حول التشريع الإسلامي، الذي أنزله« ربنا تبارك وتعالى» من فوق سبع سماوات من أجل إقامة الدولة الإسلامية، وتنظيم مجتمعاتها على أساس من الأخوة الإنسانية المؤمنة بوحدانية الخالق «سبحانه وتعالى»، وبوحدة رسالة السماء التي أكملها« ربنا تبارك اسمه » في القرآن الكريم، وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين ، وتعهد بحفظها إلى يوم الدين فحفظت حفظاً كاملاً على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، في نفس لغة وحيها «اللغة العربية»، بينما تعرضت كل صور الوحي السابقة إلى الضياع التام، وعاش أتباع بعضها على ذكريات نقلت شفاهة عبر عدة قرون حتى تمت صياغتها صياغة بشرية، بكل ما للبشر من النقص والبعد عن الكمال ولذلك مازالت تتعرض للحذف والإضافة، والمراجعة تلو المراجعة، وإلى التحرير بعد التحرير والتغيير بعد التغيير إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله «تعالى» الأرض ومن عليها، ومن هنا كانت مراجعة كل من القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة لكل مؤمن بالله، وبالبعث، والحساب، وبالجنة والنار، وبالخلود في الحياة الآخرة. وهذا التشريع الإلهي المنزل من السماء يؤكد حق الله «سبحانه وتعالى» في التشريع لعباده لاتصافه «سبحانه» بالحاكمية المطلقة فوق جميع خلقه - بغير شريك، ولا شبيه ولا منازع، ولا صاحبة ولا ولد. ومن هنا كان أول بنود هذا التشريع هو عقد الإيمان بالله رباً، وبالإسلام دينا، وبسيدنا محمد نبيا ورسولا. وهذا العقد هو القاعدة التي تقوم عليها سائر العقود في حياة المسلمين أفراداً وجماعات، ومن هنا نصت السورة الكريمة على الوفاء بالعقود بكل صورها، وأشكالها، لأن الوفاء بها يعتبر وفاء لله «تعالى» الذي أنزل أوامره بها. ويتخلل آيات التشريع في سورة المائدة التأكيد على سمو العقيدة الإسلامية القائمة على التوحيد الخالص لله «تعالى»، وتنزيهه عن جميع صفات خلقه، وعن كل وصف لا يليق بجلاله، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله، بغير تمييز ولا تفريق، واليقين بالأخوة الإنسانية، وبالآخرة وما فيها من البعث والحساب والجنة والنار، والخلود في أي منهما كل حسب عمله وحسب رحمة الله «تعالى» به. وتستعرض سورة المائدة، قصص عدد من السابقين من أجل استخلاص الدروس والعبر، وتأمر المؤمنين بأن يكونوا قوامين لله شهداء «بالقسط» وتبشرهم بالمغفرة والأجر العظيم، وتتهدد الكفار والمشركين الذين كذبوا بآيات الله وتنكروا لرسالته الخاتمة بأن مصيرهم إلى الجحيم. تعرض سورة المائدة، لعقائد الكفار والمشركين، وترد عليها، وقد نسبوا إلى الله «تعالى» من الأوصاف والنعوت ما لا يليق بجلاله، ونقضوا العهود والمواثيق وتنادي عليهم السورة الكريمة بنداءات تتكرر أكثر من مرة وذلك من مثل قول الحق تبارك وتعالى:

 ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ المائدة: 19]

ثم تعرض السورة الكريمة لعدد من الأحكام المتعلقة بحماية النفس، والمال والملكيات الفردية، والمجتمعات الإنسانية، وبصيانتها من كل انحراف، وتؤكد قضية الولاء والبراء، وتدعو إلى تعظيم كل من الكعبة المشرفة، والأشهر الحرم، وإلى إنكار كل ما بقي من تقاليد الجاهلية «وما أكثرها في زماننا »وتختتم سورة المائدة، بالتذكير بيوم القيامة، وبالإشارة إلى عدد من المعجزات التي أجراها «ربنا تبارك وتعالى » على أيدي عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم، ومنها إنزال المائدة التي سميت السورة باسمها، وانتهت السورة الكريمة إلى تبرئة كل من السيد المسيح وأمه الصديقة مريم ابنة عمران من فرية ادعاء ألوهيتهما، وكلاهما من عباد الله الصالحين والله واحد أحد لا شريك له في ملكه، ولا منازع له في سلطانه، ولا شبيه له من خلقه، وهو «سبحانه وتعالى » منزه عن الصاحبة والولد .

 

الوسطية «عنوان» منهجية الإسلام ( ١ من ۲)

المبادئ والأهداف

د.فتحي يكن

  • ما تشهده الساحة الإسلامية من فوضى سببه غياب المرجعية العالمية التي تفصل فيما ينشب من خلافات على تلك الساحة.

من خلال استعراضنا لما جاء في كتاب الله تعالى، وما ثبت عن رسول الله، ونزولا عند قوله عليه أفضل الصلاة والسلام تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض «رواه الحاكم عن أبي هريرة». وحيال المتغيرات والتحديات التي تواجه الإسلام والمسلمين والإسلاميين على مستوى العالم، وخاصة بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ وما شهدته الساحة الإسلامية ولا تزال تشهده من فوضى وعفوية وضياع وتيه وتشرذم نتيجة غياب المرجعية العالمية التي تفصل فيما يجري من خلاف واختلاف بين الإسلاميين وباسم الإسلام، كان لابد من مبادرة ولو متواضعة وأولية على طريق تحديد الخطوط الكبرى لخريطة العمل الإسلامي، ووضع بوصلة، لترشيد التوجهات وتصويب الاتجاهات.

أولا: في المبادئ

١ - الإسلام دين الله الخاتم.. بدليل قوله تعالى ﴿اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا ﴾ ( المائدة: ٣ )

٢-البشر جميعاً مدعوون لاعتناق الإسلام.. بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ ( سبأ: 28) وقوله : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ ( الأعراف: ١٥٨)، وقوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (البقرة : ٢٠٨). وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ( سورة الروم: 30)

٣-الإسلام نسخ الديانات السابقة جميعاً.

واحتوى كل ما فيها من خير.. بدليل قوله تعالى: ﴿ ۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ (الشورى : ۱۳).

ثانيا: في الأهداف

١-الدعوة الى وحدانية الله تعالى بدليل

قوله تعالى : ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ﴾ (آل عمران : ٦٤)   

٢- تحقيق عبودية الله تعالى في الأرض بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) وقوله : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾( الأنبياء: 25)

٣- إقامة حاكمية الله تعالى في الأرض

من خلال تحكيم شرعه والاحتكام إليه بدليل قوله تعالى ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ﴾ (يوسف : ٤٠) وقوله : ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ( الشورى: 10)وقوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44)

٤-تحقيق الشهود الإسلامي على الناس بدليل قوله تعالى ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾( البقرة: 143) ۗ، وقوله: ﴿ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ( الحج: 78)

٥- إقامة الحجة على البشر بلزوم ووجوب اعتناق الإسلام، بدليل قوله تعالى: ﴿۞ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا (164) رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) ﴾(النساء 163:165). 

الرابط المختصر :