; آسيا الوسطى.. أوبئة الركود وطبائع الاستعداد | مجلة المجتمع

العنوان آسيا الوسطى.. أوبئة الركود وطبائع الاستعداد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 14-مايو-2005

مشاهدات 105

نشر في العدد 1651

نشر في الصفحة 40

السبت 14-مايو-2005

·    معرفة حقيقة ما يجري لا تقل أهمية عن زف البشرى وزج التفاؤل في نفوس المحبطين!

·       بوتين: انهيار الاتحاد السوفييتي كان أكبر كارثة في التاريخ الحديث لروسيا

تمثل آسيا الوسطى بجمهورياتها الإسلامية الخمس صفحة مهمة في كتاب بناء الإمبراطورية الأمريكية التي تقوم أعمدتها يومًا بعد يوم على أنقاض الإمبراطورية الروسية.

كان لافتًا للانتباه ما أعرب عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال التحضير لاحتفالات النصر على النازية في مايو الجاري، بقوله إن انهيار الاتحاد السوفييتي كان أكبر كارثة في التاريخ الحديث لروسيا.

سرعان ما حلل الأوربيون مقولة الرجل ووجدوا فيها ما يثير المخاوف من زعيم يود لو أن القبضة السوفييتية ظلت قوية على نصف مساحة أوروبا.

ولكن ماذا عن آسيا الوسطى؟ لماذا لم يبد أحد خوفه من حنين بوتين إلى الإمبراطورية السوفييتية؟ وهل كان من الأفضل للمسلمين في هذه المنطقة أن يبقوا تحت الحكم الشيوعي درءًا لخطر الإمبريالية الأمريكية التي تتوغل في الإقليم؟ هكذا تمنى بعض الباحثين المنشغلين بالشأن الإسلامي حينما رأى أن استقلال الشيشان سيوقعها في الفلك الأمريكي، ومن ثم رجح في تحليله للقضية الشيشانية بقاءها ضمن الدولة الروسية.

دول آسيا الوسطى الخمس: كازاخستان، أوزبكستان، طاجيكستان، قرغيزيا، تركمانستان، في هذه الدول نجحت العقود المتواصلة من الحكم الشيوعي وما بعده – على يد رؤساء «الاستقلال» الذين لم تتغير رؤاهم الشيوعية السابقة – في الإبقاء على حالة من الركود يسميها علماء السياسة «باستقرار بريجنيف».. هذا النوع من السكون يقصد به تلك الفترة التي حكم فيها ليونيد بريجنيف الاتحاد السوفييتي في حالة من الركود الأقرب إلى نقمة التعفن منه إلى نعمة الاستقرار.

الفزع الداخلي

تعرضت دول آسيا الوسطى لتأثير قوى داخلية ساهمت في مرور 15 سنة منذ الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي دون أن تشهد تغييرًا ملموسًا لصالح تطور البناء السياسي ورفاهية الإنسان ونمو وعيه القومي والديني، ويمكن أن تقسم هذه القوى إلى نوعين هما قوى الطرد وقوى الجذب.

تتمثل قوى الطرد في:

 أولًا: الركون الشعبي إلى ثقافة التحمل واللامبالاة وذلك لأسباب عدة أهمها الإرث التاريخي والتطور الاقتصادي والجوار الحضاري، فالتاريخ يجسد فترات الكبت التي عاشتها شعوب هذه الدول عبر القرنين الماضيين، وفيها كان الاعتراض على السلطة أو مجرد إبداء الرأي المخالف يوصل صاحبه إلى القتل أو الاعتقال بتهمة الخيانة ونشر الفساد في الأرض، وهو ما ترك إرثًا نفسيًا بغيضًا يصعب الفكاك منه.

واقتصاديًا: أدت معيشة أغلب السكان في الأراضي الزراعية وسيطرة الروس و«المتروستين» على المدن الرئيسة في البلاد إلى بقاء غالبية السكان بعيدًا عن الاستفادة الفعلية من التغيرات التي شهدتها هذه الدول بعد استقلال 1991م، ورغم تغلغل مفاهيم اقتصاد السوق والخصخصة إلا أن ثروة هذه المنطقة أوقعت في أيدي حفنة من الذين تلونوا بسرعة مع الرياح الاقتصادية الجديدة دون أن يستفيد منها غالبية الشعب.

أما حضاريًا فقد أدى تشابه الوسط الجغرافي الذي يحيط بهذه الدول مع واقعها الداخلي إلى إقصائها بعيدة عن التطور الذي عاشته غيرها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، ومن أبرز الدول التي انتقلت فعليًا إلى مرحلة تاريخية جديدة دول البلطيق الثلاث التي نجحت بمساعدة أوروبية في أن تقطع خطوات ناجحة نحو التطوير والتحديث.

إن الدائرة الجغرافية التي تلف دول آسيا الوسطى تتألف من جميع أطرافها من فضاءات راكدة، فمن الشمال تحدها روسيا التي تتأرجح مشروعاتها الجيوسياسية بين انتكاسة لأجواء الإمبريالية أو الانكفاء على إدارة الصراعات الداخلية، وفي الغرب يفصل بحر قزوین دول آسيا الوسطى عن دول تعيش ركودًا مشابهًا هي دول القوقاز، وتجاور دول آسيا الوسطى الخمس في الجنوب فئة أخرى من الدول التي خيمت عليها الحروب الأهلية والقتال البيني مع دول الجوار كما في أفغانستان وباكستان وإيران، وحتى حدود الصين على الواجهة الشرقية لهذه الدول لم تكن ذات قيمة أو مصدر تجديد.

ثانيًا: انتهاج سياسة الموازنة في توزيع الثروة والنفوذ السياسي حسب التنظيم العشائري والقبلي، وفي حالة تشبه سیاسات أمراء العصور الوسطى التي كانت قد انقرضت مع السلطة الشيوعية خلال القرن الماضي ثم عادت بعد عام 1991م.

وكما في آسيا الوسطى والقوقاز، يتأثر البناء السياسي بحالة من الصراع على تقاسم النفود وتوزيع المناصب المهمة على الأقارب وبني العشيرة وليس حسب التمثيل الديمقراطي، وبالتدريج يتم تحويل النظام الرئاسي إلى نظام الأسر الملكية، حيث تتداخل العلاقات الأسرية لرئيس الدولة مع توزيع المشروعات الاقتصادية وفي مقدمتها شبكات الاتصالات والهواتف المحمولة التي دخلت حديثًا إلى هذه الدول، وتجني من ورائها أرباحًا بشكل مستتر.

ومما يزيد تمسك النخب الحاكمة بالسلطة الامتيازات المالية الهائلة التي ستحرم منها إذا زيحت من مناصبها لتجد نفسها تعيش حياة عادية مثل ملايين السكان، هذا إذا أفلتت من الملاحقات القضائية وتهم تبديد أموال الشعب.

ولقد بدا ذلك جليًا من الحوار الذي أجرته صحيفة «تايمز» البريطانية مع الرئيس الجورجي المخلوع إدوارد شيفرنادزه، الذي سلب منه كل شيء ولم يعد قادرًا على الحصول على معاش يليق به كرئيس سابق للدولة، بل وسلبت منه الحماية الشخصية رغم أخطار تعرضه لمحاولات اغتيال – التي تعرض لها إبان رئاسته للبلاد - بل إنه مطالب بتسديد المتأخر عليه من مستحقات الدولة من استهلاك بيته من الكهرباء والهاتف.

ثالثًا: استخدام «فزاعة» الحركات الإسلامية: وفي مقدمتها حزب التحرير والحركة الإسلامية، وقد تحول الصراع مع هذه الحركات بعد أحداث سبتمبر 2001م و احتلال أفغانستان المجاورة إلى قضية «شرف دولي» بمعنى أن اعتقال الآلاف ومطاردة أية أنشطة مشوبة بالفكر الإسلامي تلقى استحسانًا ودعمًا أدبيًا وماليًا من القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ولا يعني هذا أن بعض منظمات حقوق الإنسان قد تغفل كتابة تقرير تندد فيه بانتهاكات حقوق السجناء وتعذيبهم، فهذا من باب الازدواجية التي يمارسها الغربيون باقتدار.

ولا يقتصر الصراع مع هذه الحركات على البعد القطري بل يتخطاه إلى البعد الإقليمي ثم الفضاء الدولي، وقد كان لافتًا أنه يظهر خلال الجدل الذي شهده الشرق الأوسط تجاه دعوة الاتحاد الأوروبي للحوار مع الإسلاميين موقف روسي معادٍ لهذه التوجهات.

فحسب ما نشرته صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية في أواخر أبريل الماضي، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعرب خلال زيارته الأخيرة لدولة الاحتلال الصهيوني أن «الولايات المتحدة تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط بسعيها لدمقرطة المنطقة بالطريقة التي ستؤدى إلى تشجيع التنظيمات الإسلامية المتطرفة، وتشجيع الإخوان المسلمين في مصر».

ليس صحيحًا أن قضية الحوار مع الإسلاميين بعيدة كلية عن اهتمامات روسيا، ففي أدبيات الأمن القومي الروسي أنه لولا الكبت الذي عاشه الإسلاميون في الشرق الأوسط، لما امتدت عمليات المقاومة الانفصالية داخل الأراضي الروسية بقيادات ميدانية عربية، ولديهم فإن الجهاد الإسلامي في الشيشان ليس إلا تعويضًا عن الفشل في الموقع الجغرافي لإقامة الدولة الإسلامية في الشرق الأوسط.

حينما استقلت دول المنطقة الخمس في نهاية عام 1991م دب التفاؤل لدى عديد من شعوب العالم الإسلامي بعودة إخوانهم من الشعوب الإسلامية من خلف الستار الحديدي، غير أن شيئًا من هذا التعامل لم يترجم إلى الواقع، فسرعان ما أظهرت هذه الدول الإسلامية نفسها في نموذج لا يختلف عن كثير من دول العالم الإسلامي التي تحكم ممارساتها السياسية القوى الخارجية أكثر ما تحكمها قدرات القوى الداخلية.

مضت السنوات العشر الأولى من الاستقلال «1991 – 2001» دون أن تترجم أمنيات من ظنوا أن المنطقة التي خرج منها كبار علماء الحديث والتفسير ستعود ثانية إلى التلاحم مع العالم الإسلامي وتزيد من حيويته وتطعمه بما ينقصه من قدرات وقوى للدفع في نفس الوقت الذي تجد لدى العالم الإسلامي الدعم الروحي الذي حرمت منه لعقود مظلمة.

ولكن لسوء الحظ سرعان ما بدا أن دول آسيا الوسطى الخمس قد اتسمت بميزتين جلبتا عليها أخطار القوى الخارجية: تمثلت الأولى في اكتشاف المزيد من الثروات النفطية في أراضيها وبصفة. خاصة حول الحوض الشرقي لبحر قزوين، وبمخزون كبير وبحقول بكر لم تكن قد مستها التقنيات السوفيتية بسوء، وبالتالي تحول بحر قزوين من بحر الكافيار إلى بحر النفط الثري الواجب الاهتمام به من قبل قوى الإمبريالية.

 والثانية تعرف القوى الخارجية من المد الإسلامي وسعيه إلى السلطة وسدة الحكم، وقد بدا ذلك جليًا مع تحول دولة أفغانستان من معقل لمحاربة الشيوعية ومن ثم الدعم الأوروأمريكي إلى دولة رأت فيها موسكو وواشنطن مركزًا لتصدير النموذج الطالباني خارج الحدود.

وقد شكل هذا رعبًا ليس فقط للطموحات الأمريكية في الإقليم، بل ولروسيا التي شعرت أن تحول دول آسيا الوسطى إلى النموذج الأفغاني سينتقل بالعدوى إلى 23 مليون مسلم داخل الأراضي الروسية ويشجعهم على الانفصال.

وتزامن ذلك مع التخوف الصيني من اشتباك المشروعات الإسلامية في كل من أفغانستان ودول آسيا الوسطى بنظيرتها من المشروعات الانفصالية في غربي الصين.

هكذا اتفقت الأطراف الأربعة - واشنطن وموسكو وبكين وحكومات دول المنطقة - على ضرورة التعاون معًا لتحقيق وصول النفط من أراضي المنطقة إلى السوق العالمي دون أية اضطرابات أو تعريضه لهجمات من القوى الانفصالية، وفي ذات الوقت الحيلولة دون دمج الحركات الإسلامية في البناء السلطوي للدولة إما بتهميشها وتجاهلها أو بالصدام معها.

ولا يعتبر الاتحاد الأوروبي بعيدًا عن هذه التداخلات، فهو أيضًا يمارس الانتقائية مع دول المنطقة بما يحقق له المصلحة، فقد انتقدت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا على مدى الأعوام من 2002 إلى 2005م تزوير الانتخابات في بعض دول المنطقة وجعلت منها قضية محورية، بينما تغاضت عما جرى من تزوير في بلاد أخرى في ذات المنطقة بحسب درجة العلاقات الاستراتيجية التي يعقدها الاتحاد الأوروبي مع هذه الدول وترتيبه لمصالحه مع حكوماتها.

ما توصي به مراکز الأبحاث الأمريكية والمهتمة بالشؤون العربية في آسيا الوسطى يشير إلى أن هناك خطورة من المراهنة على نظم الحكم المستبدة في هذه الدول بدرجة تشحن غضب الشعوب ضد الدعم الأمريكي لها.

غير أنه في ذات الوقت لا يوجد لدى الولايات المتحدة سوى خيار من اثنين:

- فإما أن تنقلب على النظم الحاكمة إرضاءً لطموحات الشعوب وتترك الفرصة سانحة أمام الحراك السياسي في هذه المنطقة بما يأتي بأطياف سياسية وتوجهات ليست بالضرورة في صالح الولايات المتحدة وتعرض قواعدها العسكرية ومصالحها النفطية وطموحاتها الأمنية إلى آراء البرلمانات ونقد المعارضة الحرة، وهو خيار شديد التكلفة تكتنفه خطورة تفشي الفوضى في الإقليم التي قد تنتهي بتحقيق الديمقراطية ولكنها قد لا تحقق مصالح واشنطن.

وإما أن تستمر في تبني مفهوم الواقع السياسي القائم Realpolitic بدعم النظم الاستبدادية تحقيقًا لمصالحها، وهو خيار رغم خطورته إلا أنه لا مفر منه، فهؤلاء الحكام المستبدون هم أفضل خيار، وعلى حد تعبير أحد الباحثين الأمريكيين فإن حصول واشنطن على حلفاء مثل الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف والرئيس الكازاخي صابر مراد نيازوف «اللذين تتهمهما منظمات حقوق الإنسان بارتكاب انتهاكات لا حصر لها» ليس بالأمر الممكن تكراره بسهولة في هذه المنطقة.

هكذا تبدو خريطة آسيا الوسطى بمفهوم الجغرافيا السياسية دون تغير، تطبق عليها مواريث القرن الماضي، لا تنازعها دول الجوار في مشاكسات تغير من البعد الجغرافي لعوامل قوة الدولة، غير أن استمرار هذا الثبات - أو الركود الآسن - رهين بطول الفترة الزمنية التي ستجمع فيها الأطراف الأربعة السابقة في الحفاظ على العقد المكتوب بينها، الضامن لتحقيق مصالحها بغض النظر عن طموحات الشعوب.

وهكذا فإن ما جرى في قرغيزيا لن يأتي بشيء جديد مخالف للمصلحة الأمريكية في الإقليم، لأن المعارضة التي وصلت إلى السلطة ثبت تعاونها مع الولايات المتحدة وقدمت ضمانات كافية لها في الإقليم.

لا تعني السطور السابقة دفع مزيد من رياح التشاؤم في الشراع الذي يحرك سفينة العالم الإسلامي ليصل بها إلى حالة الاستسلام والخنوع، غير أن معرفة حقيقة ما يجري لا تقل أهمية عن زف البشرى وزج التفاؤل في نفوس المحبطين!

الرابط المختصر :