العنوان آداب الاستقراض (١ من ٢)
الكاتب الدكتور محمد سليمان الأشقر
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1995
مشاهدات 63
نشر في العدد 1132
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 03-يناير-1995
· الدّيْن
قد يحمل المدين على سلوك تأباه المروءة ويرفضه الخلق العالي.
· التحايل
على الحرام بصور تبدو في الظاهر حلالًا لا ينقله إلى دائرة العمل المشروع.
السؤال: ما هي
الأمور التي يجب أن يراعيها من يأخذ القرض الحسن؟
الجواب: من فضل الله
عليك ألا يحوجك إلى الاقتراض، لا قرضًا حسنًا ولا قرضًا سيئًا، فإن الدين حمل على
ظهر المدين يحس بوطأته ثقيلًا، ولو كان دراهم معدودة، فإن فيه منة الدائن، وتحمل
المن مما تنفر عنه طبائع الكرام. بل هو نوع من الصدقة، وقبول الصدقة فيه ما فيه
لأصحاب النفوس الأبية.
والدين الناشئ عن قرض هم يقلق بالك إذا أخذت مضجعك ويغض من بصرك إن
التقيت بدائنك، وتحاول إخفاءه عن الناس إن بدت أمارات ظهوره لهم، قال النبي ﷺ:
«إياكم والدين فإنه هم بالليل ومذلة بالنهار (1)».
ومن أجل ذلك يستدعي الدين لمن لا يقدر على سداده من حيث طبيعة الأمر:
«الكذب وإخلاف الوعد -إلا من عصم الله-، فإن شأن المدين حينئذ أن يقول: ليس معي
شيء سأعمل وأسدد لك، أو يقول: «غدًا أقضيك وهو يعلم أنه لن يفعل، وكان النبي ﷺ
يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم.
آثار الدّيْن
فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم!، قال: «إن الرجل إذا غرم
حدث فكذب، ووعد فأخلف (2)، وإذا طال الأمر بالمدين على هذا النحو سهل عليه الكذب
وتعودت نفسه إخلاف الوعد، فيكون بذلك قد تخلق ببعض خصال النفاق المعروفة، وأخذ منه
بحظ وافر.
الاقتراض في حدود الضرورة القصوى
ولذا فينبغي لك، إن كان أغلب ظنك أنك لن تكون قادرًا على السداد
بالكلية، ألا تقترض أصلًا، وإن كنت تقدر على السداد للبعض فلا تقترض إلا في حدود
طاقتك وهذا حيث كان لك عن الاقتراض مندوحة إما ببذل نفسك للعمل، ولو كان بدون ما
تقدره لنفسك من أجر، وإما ببيع بعض ما تستغني عنه من متاعك أو ممتلكاتك، فذلك خير
لك من تحمل الدين. وهذا حيث لم تكن مضطرًا، فإن الضرورة تفتح ما أغلق وتوسع ما
ضيق.
ومن جنس هذا أقول لك: لا تشتر بثمن أجل بالأقساط، ولا تبع ما ليس عندك
بيع السلم، إلا ضمن الحدود التي نوهت بها. ولا ينبغي أن تقترض للتوسع في أمور
الحياة مع ضعف إمكانياتك عن السداد، بل تقترض إن لم يكن لك بد لأساسيات الحياة إن
احتجت إلى القرض كطعام، أو كساء أو تعلم ضروري أو مداواة أو نحوها، لك أو لأولادك
أو باقي أسرتك، وأسأل الله المعافاة لي ولنفسك من الاضطرار لذلك.
أما من يستسهل الاقتراض من أجل تكاليف سفر النزهة، وتذاكر السياحة
والتكاليف الفندقية، ونحو ذلك، فهو أسير شهوته، أو عبد عادة جرى عليها خلانه أو
جيرانه أو معارفه، ومثل ذلك من اقترض لأداء عمرة أو حج فرضًا كان أو نفلًا فهو من
هذا الباب فإن الله تعالى أسقط فرض الحج عمن لا يجد تكلفته، فكيف لعمرة أو نفل أو
سياحة؟ ولو رجعت إلى نفسك إن طالبتك بذلك، ونظرت في عمقها لرأيت هوى دفينا يلوح لك
بصورة الطاعة.
الاقتراض للزواج
وثم من يقترض للزواج، ودفع تكاليف المهر المرتفع وتوابعه، والأثاث
الرائع والاحتفالات الصاخبة، ولو كان كل ما يقدم فيها حلالًا سائغًا للشاربين
والطامعين، فهو من هذا الباب أيضًا، وليست الحاجة للزواج بمنزلة الضرورة إلا حين
يبلغ السيل الزبى، والإسراف في شؤون الزواج مكروه حتى من أهل الغنى والثراء، فكيف
يصنع مثلهم من لا يجد العلائق إلا في المضائق؟
أدب الاقتراض
إن عزمت على الاقتراض، ودعتك نفسك إليه، لضرورة أو حاجة، فاقترض ممن
لا يتبع صدقته منًا ولا أذى، ولا يمحو بسيئته حسنته، ومن إذا عجزت أنظرك، وإذا
أعسرت يسر لك الأمر، فذلك خير من أن تقع بين براثن العتاة.
وقوم يقترضون للتوسع في التجارات، ولتكديس الأرباح، ولا يبالون في
سبيل ذلك بألا يكون الاقتراض من دور الربا يؤملون بذلك مضاعفة أرباحهم ويقدرون أن
الأمور ستجري كما يقدرون فاستحقوا عذاب موكل الربا، ثم إن جاءت الأمور على خلاف ما
قدروا، ووقعت الخسائر، لاحقهم الدائنون، مطالبين بالأصول والفوائد، ووضعوا أيديهم
على الرهن من دور أو عقارات، فباعوها بأبخس الأثمان.
استحضر نية الأداء عند الأخذ، وكن عازمًا على ذلك، وتأمل معنى
الحديثين الكريمين: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد
إتلافها أتلفه الله (3)» و«من أخذ دينًا وهو يريد أن يؤديه أعانه الله (4)».
حرمة الزيادة المالية أو المعنوية على الأصل
لا تلتزم مقابل الاقتراض بزيادة تدفعها للمقرض، يأخذها منك مقدمًا أو
مؤخرًا، فإن القرض لا يكون بذلك قرضًا حسنًا، بل قرضًا خبيثًا، تذوق مرارته في
الدنيا والآخرة، فإن ذلك هو الربا بعينه والربا من الكبائر الموبقة.
وسواء كانت الفائدة التي التزمت بها من جنس المال الذي أخذته، أو من
غير جنسه وسواء أكانت عينًا من الأعيان، أو منفعة من المنافع كخدمة تؤديها إلى
المقرض. ولا تقل: إن الدائن هو الذي أكل الربا، وأما أنا فلم أكله، فإن الآكل
للربا آثم، والمطعم له آثم، كما في الحديث الشريف: «لعن الله آكل الربا وموكله،
وكاتبه، وشاهديه»، وقال: «كلهم سواء (5)». وهذا طبعًا لمن يستطيع الحصول على المال
بطرق أخرى غير هذه من الطرق المشروعة، وساء مثلًا مجتمع لا يجد فيه المضطر ما
يأكله إلا الميتة والدم ولحم الخنزير!!
ولو أن أحدًا عرض عليك أن يقرضك على أن تشتري منه شيئًا بثمن أعلى من
سعر السوق، أو تعمل له عملًا بأجر أقل من المعتاد أو تبيعه بسعر أقل مما يتبايع به
الناس، فذلك حيلة ربوية، إثمها أعظم من إثم من باشر الربا بصراحة، وقد قال النبي
ﷺ: «لا يحل سلف وبيع (6)».
غير أنك ربما تتخلص من ورطتك التي تريد أن تستقرض لها بشراء سلعة بثمن
أجل، والغالب أن يكون أعلى من سعرها الحاضر، ثم تأخذها فتبيعها بثمن نقدي وتنتفع
بثمنها إلى أن يأتي الأجل، وهذه الطريقة تسمى «التورق» وقد كرهها بعض العلماء،
ولكن يبدو أنه ليس فيها أية كراهة شرعية، فإن الإنسان يشتري ما له فيه نفع سواء
كان النفع حاضرًا أو آجلًا، وهو على كل حال شراء وبيع، وقد أحل الله البيع وحرم
الربا، لكن لبعض التجار حيل خبيثة فإن عرض عليك التاجر مثلًا أن يبيعك السلعة بثمن
مؤجل، ثم إذا أردت أن تبيعها بالثمن الحاضر يشتريها هو نفسه منك فهذه حيلة تسمى
بيع العينة، وهي محرمة شرعًا، لأنها في الصورة شراء ثم بيع لكنها في الحقيقة قرض
ربوي، فإياك والاحتيال على ما حرمه الله عليك، فإن مال فاعل ذلك العقوبة الإلهية
العاجلة أو الآجلة، والعبرة في ذلك بما حل بأصحاب السبت من بني إسرائيل (انظر سورة
الأعراف: 163- 166).
توثيق القرض
إن اقترضت فوثق القرض بكتابته وبشهود، إما رجلين، أو رجل وامرأتين على
الأقل، فتلك وصية الله للمؤمنين، فقد يطول الأمد وتنسى كم كان مقدار القرض، أو
تنسى القرض من أصله، وقد يموت المقرض فتنازعك نفسك إلى الإنكار، استغلالًا لجهل
ورثته بالدين الذي عليك، وقد تموت أنت فتتعذر على صاحبك المطالبة بالدين في تركتك،
فتبوء بالإثم، ولو كنت وثقت لباء بالإثم من منع الوفاء، وليس أنت، ونعم الوصية لنا
وصية الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ
إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ
بِالْعَدْلِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ
كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ﴾ (البقرة: 282). وينبغي لك، إن رفض مقرضك الكتابة حياء،
أو مجاملة، أو غير ذلك، أن تصر على الكتابة، قيامًا بحق الوصية الربانية، ومن أجل
أن تكون من المقسطين.
وتمامًا لما تقدم ينبغي لك أن تضع في دفترك الخاص، وبخط يدك وتوقيعك،
إثباتًا للدين الذي في رقبتك تصف جنسه ونوعه ومقداره وتاريخ الاقتراض واسم المقرض
وسائر ما تراه يتمم شأن الإثبات، واجعل ذلك وصية يلزم من يخلفك تنفيذها من تركتك،
ففي السنة المطهرة: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا
ووصيته مكتوبة عنده (7)». وليس المراد بهذا الحديث عند جمهور علمائنا الوصية
التبرعية، بل الوصية الواجبة بأداء القرض وسائر الحقوق المستحقة.
الهوامش:
(1) حديث «إياكم والدين...» أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (الفتح
الكبير).
(2) الحديث أخرجه البخاري
(فتح الباري 2/317) وأخرجه مسلم وغيرهما من رواية عائشة رضي الله عنها.
(3) حديث «من أخذ أموال
الناس...» أخرجه أحمد والبخاري وابن ماجة من رواية أبي هريرة، يرفعه (الفتح
الكبير).
(4) حديث «من أخذ دينًا...»
أخرجه النسائي من رواية ميمونة رضي الله عنها، ترفعه (الفتح الكبير).
(5) حديث «لعن الله آكل
الربا...» أخرجه أحمد ومسلم من رواية جابر رضي الله عنه (الفتح الكبير).
(6) حديث «لا يحل سلف
وبيع...» أخرجه أحمد والأربعة من رواية عبد الله بن عمرو (الفتح الكبير).
(7) حديث «ما حق امرئ
مسلم...» أخرجه مالك والشيخان وأصحاب السنن من رواية ابن عمر مرفوعًا، وفي رواية
لمسلم والنسائي: «ثلاث ليال» بدل «ليلتين» (الفتح الكبير).