الثلاثاء 15-أغسطس-1972
كان بقاء مملكة غرناطة الإسلامية في الأندلس قرنين من الزمان معجزة من معجزات الإسلام، فهذه الجزيرة الإسلامية العائمة فوق بحر النصرانية المتلاطم الأمواج والطافح بالحقد والمكر التاريخيين، هذه الجزيرة ما كان لها أن تصمد صمودها المشهود؛ إلا أن طبيعة الصمود كامنة في العقيدة والحركية الإسلامية، وبدون العقيدة الإسلامية ما كان لهذه الجزيرة أن تصمد وحدها في الأندلس؛ بعد أن سقطت كل المدن والقلاع الإسلامية منذ قرنين من الزمان.
كان قانون الاستجابة للتحدي هو الذي أبقى غرناطة حية زاخرة بالفكر الإسلامي والرقي الحضاري هذين القرنين، وكان شعور الغرناطيين بأنهم أمام عدو محيط بهم من كل جانب، ينتظر الفرصة لالتهامهم، وبأنه لا أمل لهم في استيراد النصر من العالم الإسلامي، وبأنه لا بد لهم من الاعتماد عـلى أنفسهم.
كان هذا الشعور باعثهم الأكبر على الاستعداد الدائم، ورفع راية الجهاد والتمسك بإسلامهم.
وبهذا نجحت غرناطة أن تظل إلى سنة ١٤٩٢م (٨٩٧هـ) سيدة الأندلس الإسلامي ومنارة العلوم وشعلة الحضارة الإسلامية الباقية في أوربا .
لكن الأعوام القريبة من عام السقوط شهدت تطورًا في الحياة الأندلسية، فعلی المستوى النصراني بدأ «اتحاد» كبير يضم أكبر مملكتين مسيحيتين مناوئتين للإسلام، مملكتي أراجون وقشتالة، وقد اندمجت الاثنتان في اتحاد توجتاه بزواج «إيزابيلا» ملكة قشتالة من «فرناند» ملك أراجون.
وكان الحلم الذي يراود الزوجين الملكين الكاثوليكيين ليلة زفافهما هو دخول غرناطة، وقضاء شهر عسلهما في الحمراء، ورفع الصليب فوق برج الحراسة في غرناطة، أكبر أبراجها، وعلى المستوى الإسلامي كان «خلاف» كبير قد دب داخل مملكة غرناطة لا سيما بين أبناء الأسرة الحاكمة، وتم تقسيم مملكة غرناطة المحدودة إلى قسمين يهدد كل قسم منهما الآخر ويقف له بالمرصاد.
قسم في العاصمة الكبيرة (غرناطة)، يحكمه أبو عبد الله محمد علي أبو الحسن النصري (آخر ملوك غرناطة والأندلس) وقسم في (وادي آسن) وأعمالها يحكمه عمه أبو عبد الله محمد المعروف بالزغل.
وقد بدأ الملكان الكاثوليكيان هجومهما على (وادي آسن) سنة ٨٩٤هـ.. ونجحا في الاستيلاء على وادي آسن والمرية وبسطة وغرناطة، وغيرها، بحيث أصبحا على مشارف مدينة غرناطة.
وقد أرسلا إلى السلطان أبي عبد الله النصري يطلبان منه تسليم مدينة الحمـراء الزاهرة، وأن يبقى هو حيًّا في غرناطة تحت حمايتهما، وكما هي العادة في الملوك الذين يركبهم التاريخ وهو يدور إحدى دوراته، كان هذا الملك ضعيفًا لم يحسب حسابًا لذلك اليوم، ولقد عرف أن هذا الطلب إنما يعني الاستسلام بالنسبة لآخر ممالك الإسلام في الأندلس، فرفض الطلب ودارت الحرب بين المسلمين والنصارى واستمرت مدة عامين، يقودها ويشعل الحمية في نفوس المقاتلين فيها فارس إسلامي من هؤلاء الذين يظهرون كلمعة الشمس قبل الغروب «موسى بن أبي الغسان».
وبفضل هذا الفارس وأمثاله وقفت غرناطة في وجه الملكين الكاثوليكيين عامين، وتحملت حصارهما سبعة أشهر، لكن مع ذلك لم يكن ثمة شك في نهاية الصراع، فأبو عبد الله الذي لم يحفظ ملكه حفظ الرجال، والانقسام العائلي والخلاف الداخلي في المملكة، في مقابل اتحاد تام في الجبهة المسيحية، مضافًا إلى ذلك حصاد تاريخ طويل من الضياع والقومية الجاهلية والصراع؛ بعيدًا عن الإسلام، عاشته غرناطة وورثته مما ورثته عن الممالك الإسلامية الإسبانية الساقطة.
كل هذه العوامل قد عملت عملها في إطفاء آخر شمعة إسلامية في الأندلس.
وعندما كان أبو عبد الله (آخر ملوك غرناطة هذا)، يركب سفينته مقلعًا عن غرناطة الإسلامية، آخر أرض تنفست في مناخ إسلامي في أوروبا بعد ثمانية قرون عاشتها في ظلال الإسلام في هذا الموقف الدرامي العنيف، بكى أبو عبد الله ملكه وملك الإسلام المضاع، وتلقى من أمه الكلمـة التي حفظها التاريخ: «ابكِ مثل النساء ملكًا لم تحفظه حفظ الرجال».
والحق أن أمه بكلمتها تلك إنما كانت تلطمه وتلطم حكامًا في الإسلام كثيرين، بكوا مثل النساء ملكًا لم يحفظوه حفظ الرجال.