العنوان آثار عبرت القارات والقرون
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 17-سبتمبر-2005
مشاهدات 163
نشر في العدد 1669
نشر في الصفحة 61
السبت 17-سبتمبر-2005
رئيس مركز التفكير الإبداعي والمشرف العام على موقع إسلام تايم.
ما من إنسان إلا يعيش عمره الذي قدره الله عز وجل له، ثم ينقضي أجله، ولكن من الناس من يموت ويطوى ذكره وكأنه لم يكن رغم أنه ربما كان يملك المال أو الشهادات أو الوجاهة أو القوة أو السلطان أو غير ذلك، ولكن لم يبق له أثر يذكر، فقد طمس ذكره إلى الأبد.
وفي الجانب الآخر من الناس من ينقضي أجله ويبلى جسده ولكن يخلد ذكره ويبقى أثره بين الناس ماثلًا حيا تتوارثه الأجيال وتتفاخر به الأمم.
ولقد حث النبي ﷺ أمته على أن يبقي كل واحد منهم شيئًا له بعد مماته ينتفع بأجره يوم أن يلقى ربه، وما أجمل أن يكون هذا الأثرشيئًا له قيمته بين الناس حتى يعظم له الأجر باقتداء الناس به.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».. «رواه مسلم».
ولقد توفي رسول الله ﷺ وبقيت بعده آثاره التي لا تعدّ ولا تحصى في هداية الناس وتغيير واقعهم من جاهلية ولهو وضياع إلى استقامة ونور وحق، ومن أمة منسية متنازعة إلى خير أمة أخرجت للناس.
ويقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45)وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46)وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ الله فَضْلًا كَبِيرًا﴾ (سورة الأحزاب: 45:47)
وكم من الآثار المباركة التي عبرت القارات وتخطت القرون تركها الصديق أبو بكر رضي الله عنه، فهو صاحب رسول الله ﷺ وخليفته، وهو أول من آمن برسول الله وصدق به من الرجال، وكم وقف مؤازرًا الرسول الله ﷺ في وقت الشدائد والكروب خاصة قبل الهجرة النبوية وهذا الفاروق، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أتعب الخلفاء والملوك من بعده.
وكذا الخليفة عثمان بن عفان ذو النورين رضي الله عنه، الذي اشترى الجنة بماله مرتين، وجمع المصحف الشريف ووزعه على الأمصار.
وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفدائي الأول في الإسلام والفارس الذي لا يشق له غبار، حامل لواء خيبر.
ومن بعدهم إذا ذكر عماد الدين زنكي ونور الدين محمود فلا ينسى فضلهم في توحيد صف المسلمين لمواجهة الحروب الصليبية.
وإذا ذكر صلاح الدين الأيوبي تبادر إلى أذهاننا أنه صاحب حطين وإعادة المسجد الأقصى وتحرير القدس من جديد من أيدي الصليبيين.
وانظر كذلك إلى سيف الدين قطر الذي هزم التتار وحطم أسطورتهم.
وتأمل سيرة محمد الفاتح ذلك الشاب الذي فتح القسطنطينية فرحمة الله عليه وعلى من قبله من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وهذا البطل المجاهد الشيخ عز الدين القسام، إمام مسجد الاستقلال في حيفا، الذي أذاق مع زملائه الاستعمار البريطاني الضربات القوية الموجعة، ولقد لقي الله تعالى ولم يترك لنا مؤلفات ولا منشورات، ولكنه أبقى لنا دعوة حية في نفوس أبناء أمتنا.
وفي زماننا المعاصر نرى العديد من العلماء والمصلحين الذين بقيت آثارهم بعدهم، يقتدي بها الناس في زماننا هذا، وربما تبقى إلى أجال وأعمار مديدة.
ولقد كان من رواد هذا العصر العلامة محمد أبو زهرة. رحمه الله الذي بقيت مؤلفاته بالعشرات ذخرا وشاهدا على علمه ودعوته والشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ محمد عبد الوهاب، والشيخ حسن البنا الذي ترسخت أفكاره ودعوته في أصقاع الأرض كلها، وسيد قطب ومحمد الغزالي والسيد سابق، وأبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي وغيرهم كثير
أما البطل المجاهد الشيخ أحمد ياسين، فقد أحيا الله به. في نفوس أبناء فلسطين، بل في العالم الإسلامي. روح الكرامة والعزة وحب الجهاد ضد الصهاينة المحتلين، وبقيت آثاره ماثلة للجميع في قضائه على البدع واهتمامه ببناء المساجد ودور العلم والحضانات للأطفال، وتكوين خلايا الجهاد والإشراف عليها بنفسه، رغم أنه مشلول جسديًا وكليًا إلا أن الله تبارك وتعالى شاء أن يجعل منه آية وعبرة للجميع في قيادته للمجاهدين رغم ضعف جسده
وهذا المجاهد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي رحمه الله الذي ما جلس مقتصرًا على العمل في مهنته، بل كان الطبيب الثائر كما كان يسمي نفسه قبل استشهاده، وكان الإمام والخطيب المفوه، وكان الحافظ لكتاب الله تعالى، والشاعر والسياسي المحنك.
وقد نال الرئتيسي الشهادة في سبيل الله. نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا. كما كان يتمنى، وبقيت آثاره الكثيرة من الجهاد والشعر والدعوة وبناء الرجال الأبطال.
ولكم تحدث المؤرخون من قبل عن الخنساء التي أرسلت أبناءها الأربعة إلى القادسية، وأوصتهم بالاستشهاد في سبيل الله، وقد نالوها جميعًا، وبقي صنيعها هذا من الآثار المباركة الباقية لها، ولكننا اليوم أصبحنا نرى نماذج متعددة من خنساوات فلسطين اللاتي أقدمن على نفس العمل.
فقد قامت المجاهدة أم نضال فرحات بتشجيع ابنها محمد للإقدام على القيام بعملية استشهادية، وودعته ودعت الله تعالى له بالتوفيق ونيل الشهادة، وبأن ينزل في العدو الخسائر الفادحة.
وظلت أم نضال قائمة طوال الليل تدعو ربها له بالتوفيق حتى سمعت في نشرات الأخبار نبأ العملية ونجاحها واستشهاد ابنها محمد فحمدت الله، ثم قامت تتقبل التهاني من الناس باستشهاده.
وقد أقدمت المجاهدة ريم الرياشي الشابة البالغة من العمر خمسة وعشرين عامًا، على القيام بعملية استشهادية بطولية تاركة ولديها الصغيرين وزوجها ماضية إلى ربها، ورغم أنها من عائلة ميسورة الحال إلا أنها أثرت أن تبقي لها أثرًا كريمًا مباركا تنتفع به الأجيال من بعدها. وأخيرًا، يجمل بنا التذكير بمسألة مهمة ذكرها لنا رسولنا ﷺ، وهي أن كل من دل على خير، فإن له من الأجر مثل أجور من تبعه وسلك الطريق الذي دل عليه، وأن كل من دعا إلى ضلالة أو غواية فإن له من الوزر والإثم مثل آثام كل من قلده واتبعه.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا».. «رواه مسلم»..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل