العنوان آثار العولمة في الشيشان
الكاتب عبدالحق حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 30-نوفمبر-1999
مشاهدات 77
نشر في العدد 1378
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 30-نوفمبر-1999
دائمًا ما يبدأ الإعصار بتدمير الأشياء الصغيرة والتي تقع. في الأطراف. قبل أن يشتد ويبلغ عنفوانه ويتحول إلى دوامة تبتلع كل شيء في طريقها.
هكذا الحال في الشيشان التي شاء الله أن تتحمل الضربات الأولى الإعصار العولمة، والذي يهدف إلى اجتياح روسيا وضم بقاياها إلى إمبراطورية العولمة الجديدة بقيادة الولايات المتحدة، وبدلًا من تسمية الأشياء على وجهها الصحيح، يلجأ الروس إلى تغليف الأسباب الحقيقية لحربهم في الشيشان وراء شعارات دينية، فهي في نظرهم حرب ضد الأصولية والجماعات الإسلامية القادمة من البلاد الإسلامية.
تذكرنا هذه الشعارات بما يحدث عندنا في الشرق الأوسط عندما يشن بعض الأنظمة حملاته ضد عناصر التيار الإسلامي لأسباب داخلية أو أخرى تتعلق بتوازنات دولية، إذ يقول إن حملاته ليست ضد الإسلام، وإنما ضد الإرهابيين وفي سبيل التخلص من كل ما هو إسلامي شخصًا كان أم فكرًا... ليس غريبًا أن يتكرر الأسلوب الإعلامي المصاحب لهذه الحملات في حرب الشيشان لأن كثيرًا من الإجراءات السياسية والخاصة بالقمع وتلفيق التهم في شرقنا التعيس هي من آثار الحقبة التي تغلغل فيها النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط، ومن ثم تسعى وسائل الإعلام الروسية ووفودها الزائرة إلى عواصم العالم إلى ترويج دعوى خطر الأصولية الإسلامية وتهديدها للسلام العالمي، واستطاعت الدبلوماسية الروسية أن تقنع بعض صناع القرار السياسي في الشرق الأوسط بأن حربها ضد الأصولية في الشيشان شأن داخلي.. هكذا خرجت بعدها التصريحات السياسية بأن ما يجري من تشريد وقتل وتدمير لشعب كامل أمر يخص روسيا.. موقف هكذا لم يرتضه رئيس الولايات المتحدة في قمة إسطنبول مؤخرًا، إذ رد بعنف على الرئيس الروسي حينما زعم الأخير بأن الأمر شأن داخلي.. إذ قال له كلينتون ما مفاده: لو لم تتدخل لمساعدتك يوم أحاطت دبابات المعارضة بالكرملين لكنت اليوم في السجن، والذي تهدف إليه روسيا أن تدخل في روع الناس أن الحرب هي ضد الأصولية، وفات الروس أن العالم كله بات يدرك الأسباب الحقيقية لهذه الحرب، وكان الأجدر بالروس أن يعلنوا بالأدلة عمن تورط في أحداث تفجيرات موسكو ومدن روسية أخرى حتى ينقشع الستار عن الذين يديرون تلك الحرب الظالمة ضد الشعب المسلم الذي يخطط له أن تكون بداية إعصار لتحطيم روسيا كلها.
هذه الحرب إحدى وسائل عولمة ما تبقى من الإمبراطورية الشيوعية المتمثلة اليوم في روسيا الاتحادية، فبعد أن تضعضعت وتفككت تلك الإمبراطورية إيديولوجيًا واقتصاديًا وجيوبوليتكيًا.. جاء دور تجريد روسيا من قدراتها العسكرية وهذا لن يتحقق إلا بإشعال حرائق صغيرة في أطراف المبنى الضخم حتى ينهار -وشاء الله- أن تكون الأقليات الإسلامية في أطراف ذلك المبنى... هكذا هدف أقطاب العولمة إلى ضرب عصفورين بحجر واحد:
أولًا: استغلال الأقليات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي السابق وقودًا لهذه الحرب فهم قنابل موقوتة من الظلم والقهر تراكمت خلال سبعين عامًا تحت الحكم الشيوعي.. وهم أقدر على مشاغلة الروس وإضعافهم.
وثانيًا: التخلص مما لا يمكن إنكاره من مظاهر الصحوة الإسلامية التي بدأت تنبعث في أوساط تلك الأقليات.. وإلا بماذا نفسر إمساك أقطاب العولمة في الولايات المتحدة والغرب العصا من المنتصف.
هكذا تجيء تصريحات السياسيين في الولايات المتحدة بأن من حق روسيا القضاء على الإرهاب، وهذا يقتضي لجوء روسيا إلى استخدام القوة، ومن ناحية أخرى، يدعو أقطاب العولمة.. إلى الحوار السياسي مع الشيشان.. إشكال كما يبدو سوف يستمر طبقًا لسيناريو العولمة الذي يهدف إلى استنزاف روسيا من آخر ما تبقى لها من قدرات والمتمثلة في أرتال من العتاد العسكري الذي يقبع في ترساناتها بلا روح، شكل مخيف وعزم خفيف، وبما أنه ليس بمقدور أقطاب العولمة شن حرب تقليدية أو نووية لتركيع موسكو وضمها قسرًا إلى الإمبراطورية العالمية، لذا يكفي الدب تجويعه.