العنوان آباء وأبناء.. في القرآن الكريم (٤).. يعقوب عليه السلام.. وأبناؤه
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 02-مارس-2013
مشاهدات 75
نشر في العدد 2042
نشر في الصفحة 50
السبت 02-مارس-2013
- نشأ «يوسف» وأخوه بنيامين ، وقد فقدا الأم الحانية وكان يعقوب» عليه السلام يرفق بهما وكأنه يعوض لهما هذا الحب المفقود
- أبناء يعقوب، ظنوا أن مكانتهم عند أبيهم انتزعت منهم فلا وجود لها وأن قلبه قد خلا من حبهم فدبروا لـ يوسف المكائد
- التفرقة في معاملة الأولاد والتمييز بينهم يورث الغيرة ويؤجج نار الحسد التي تأكل معها كل جميل
- فيا أيها الأب.. إياك أن توغر صدور أبنائك بالكراهية والحسد ضد بعضهم بعضًا دون أن تشعر
هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم. يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام.. كانت له قصة مع أبنائه حكاها لنا القرآن الكريم وخلدها والقصص فيها المثل والقدوة، كما أن فيها العبرة﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ ( يوسف : ۱۱۱).. ولنا في قصة يعقوب وأبنائه مواقف تربوية جديرة بالاهتمام تستحق أن تدونها كتب التربية وتتدارسها، وينشأ عليها المربون.
كانت البداية رؤيا رآها الابن يوسف وهو فتى صغير لم يبلغ بعد، قصها على أبيه الذي - علم منها أن لولده هذا شأنًا عظيمًا، وأيقن - وهو النبي - صدق الرؤيا وتحققها ووقوعها. وأن يوسف سيرث هو الآخر النبوة ويصير كآبائه .. كان يوسف في هذا الوقت ابن اثنتي عشرة سنة، ومن هنا كانت نصيحة أبيه له أن يكتم رؤياه ولا يبوح بها حتى لأقرب الناس إليه (إخوته)؛ ﴿قال يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ للإنسان عدو مبين﴾ وكذلك يجتبيك ربك ويُعَلِّمُك من تأويل الأحاديث ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىأَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) ﴾ (يوسف).
حب وغيرة وحسد
نشأ يوسف وأخوه بنيامين وقد فقدا الأم الحانية دون بقية إخوتهما، وكان يعقوب عليه السلام يرفق بهما، وكأنه يقدم لهما حباً بديلاً عن حبها، يظهر هذا في العطف والاهتمام بهما والميل لهما خاصة ليوسف الذي ازداد حبه له بعد هذه الرؤيا التي عبرها بخضوع إخوته له وتعظيمهم إياه تعظيما زائدا، بحيث يخرون له ساجدين إجلالا واحتراما، قد يعذر يعقوب في هذا الحب، لكن أبناءه لم يقدروا حاجة الصغير لاهتمام وحنان أكبر، وظنوا أن مكانتهم عند أبيهم انتزعت منهم، فلا وجود لها، وأن قلبه قد خلا من حبهم؛ إذ ﴿قالُوا لِيُوسُفَ وَأخوه أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنْ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مبين﴾ (يوسف).
وأحب يعقوب يوسف وفاض حبه والحب في القلب لا يملكه الإنسان ولا يتكلفه، فهو من الله تعالى، لكن هذا الحب لم يدفع يعقوب لظم أولاده في هبة أو عطية أو تركة أو ميراث كما يفعل البعض، إنه حب الصغير الضعيف يتيم الأم.. هكذا كان يجب على إخوة يوسف أن ينظروا لهذا الجانب في حياته، لكن هذا لم يحصل منهم، فالولد لا يعرف هذه المعاني وليس في صدره قلب أب! ومن هنا كان لا بد على الوالدين إن شعرا بميل قلبي نحو أحد أولادهما لسبب أو آخر أن يغلقا على هذا الحب باب القلب ولا يسمحا له بالخروج أو التنزه خارج أسواره ولو لبضع لحظات، وإلا فإن جرس الإنذار سيعلو محذرا من إظهار تلك المشاعر، حركة كانت أو كلمة، لمسة أو قبلة، عطية أو هدية.
وقد دفع يوسف ثمن هذا الحب غاليا! فكان الحسد من إخوته الذي تولد عنه الكيد والمكر، والكذب والخديعة، والعقوق والقسوة ومن ثم التخلص منه وإلقاؤه في الجب، وقد تعجلوا ذلك فقالوا : ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالحين﴾ (يوسف)، فأضمروا التوبة قبل الذنب، واجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم وعقوق الوالد وقلة الرأفة بالصغير فكان ما كان ليوسف من الإلقاء في الجب والإبعاد، فالرق، ثم الحبس والسجن، وكان للشيطان ما أراد من بث نار الغيرة والحسد في قلوب أبناء يعقوب.
رسالة لكل والد.. ونصيحة لكل ولد:
قيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك ببني يعقوب.. فيا أيها الأب، إياك أن توغر صدور أبنائك بالكراهية والحسد ضد بعضهم بعضاً دون أن تشعر، لا تفرق بين الذكر والأنثى، فهناك من يحب الولد أكثر من البنت ويتبع ذلك تفضيله عليها في التربية والحب والنفقة والعطاء والميراث.. وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم : «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم» (رواه مسلم)، «اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم» (صحيح النسائي)، وقد جاء رجل إليه فقال: إني تصدقت على ابني بصدقة فاشهد. فقال: «هل لك ولد غيره ، قال : نعم قال: «أعطيتهم كما أعطيته ؟... قال: لا ! قال: لا أشهد على جور (صحيح النسائي).
تجنب إظهار الحب الزائد لأخ دون أخيه، وإن وجدت مفاضلة بينهما فحاول أن تتحدث إلى أولادك وتشعرهم أنهم في المكانة عندك سواء، وأنهم جميعا أبناؤك كن بارا بهم وأعلمهم أن الإحسان يأسر النفوس، وأن البر يأخذ القلوب ليتسابقوا في برك بين لهم سبب اهتمامك بأحدهم إن وجد فقد سئل بعض الناس من أحب أبنائك إليك؟ فقال : الغائب حتى يعود، والمريض حتى يشفى، والصغير حتى يكبر . وأنت أيها الابن.. لا تظلم أباك وتتهمه. أحسن الظن فيه وكن باراً رحيماً، لا تسي لإخوتك ولا تحقد عليهم، وكن محباً صادقاً ناصحاً مخلصاً، أحب لهم ما تحب لنفسك تنعم برضا والديك وحب إخوانك.
آثار سيئة
إن التفرقة في معاملة الأولاد والتمييز بينهم يورث الغيرة ويؤجج نار الحسد التي تأكل معها كل جميل والغيرة من تغير القلب وهيجان الغضب، وهي كراهة شركة الغير في حقه.
أما الحسد فهو تمني زوال نعمة المحسود إلى الحاسد ، قال الراغب: «الحسد تمني زوال نعمة مستحق لها، وربما كان مع ذلك سعي في إزالتها .. ومن هنا قال إخوة يوسف: اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لكُمْ وَجْهُ أَبيكُم ، فتمنوا زوال نعمة الحب عنه وهو الصغير الضعيف، وسعوا في إزالتها بإبعاده عن أبيه، لتنتقل إليهم بعد أن يخلو البيت منه أمام يعقوب، ويوسف لا ذنب له، وماذا عساه أن يفعل مع الحسد ؟! قال معاوية رضي الله عنه : كل الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها، وقد رغب النبي صلي الله عليه وسلم في صفاء القلوب ورضاها فقال : لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا (رواه الطبراني).
القصة لم تنته بعد:
فعل أبناء يعقوب به وبأخيهم يوسف ما فعلوا، وكذبوا أباهم حين أتوه يبكون يوسف ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ ( يوسف : ۱۸). بكى يعقوب ما بكي حتى نضبت الدموع وجفت {وَابْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْن فَهُوَ كَظِيمٌ (يوسف)، شكا إلى الله تعالى وأسكت كل من يلومه: ﴿إنما أشكو بَني وَحُزْنِي إِلَى الله ﴾ (يوسف : ٨٦).. أما يوسف فكان في حفظ الله، وقد تغيرت أحواله وتبدلت، فمن قاع الجب المظلم إلى قصر العزيز، ها هو قد بلغ أشده، وها هي امرأة العزيز تراوده عن نفسه ﴿وغلقت الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ (يوسف : ۲۳) صرف الله تعالى عنه السوء والفحشاء ونجاه من فتنتها، لكنه لم يلبث إلا قليلا حتى كابد فتنة أخرى لا تقل قسوة عما سبقها، وهي فتنة السجن ظلمًا.. لكنه لم يستسلم، إنما كان داعيًا إلى الله سبحانه راضيا بقضائه، راغبًا فيما عنده.
ومن بين ظلام السجن لاح نور الفجر رفرفت الحرية وعلا طائرها حتى حط عند يوسف فكان الفرج والنصر والتمكين.. وفي هذا بشارة لكل محروم أو مبعد، ولكل مشرد أو طريد، وأمل لكل من سجن ظلما، وكل من فرق بينه وبين أهله وأحبابه فلا بد أن يجتمع الشمل بعد طول اشتياق ﴿فإن مع العسر يُسْرًا إِنْ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح)، ومهما طال الزمان ستزول الحواجز حتما بقوة الله تعالى، وتنزع الخيام وتتهاوى السدود، وفي يوسف وقصته العزاء والسلوى والأمل.
نعم .. فمن بعد فراقه الأهل وغربة الوطن ظهرت تباشير اللقيا، ولاح أمل اللقاء بعد حرمان طويل﴿وجَاءَ إِخْوَةَ يُوسُفَ فَدَخَلُواعَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكَرُونَ﴾ (يوسف) ... وتستمر القصة بما فيها من معاناة نفسية ومشاعر مختلطة اجتمع فيها يوسف بأخيه لتنتهي بلقاء أبيه ورؤية إخوته وبقية أهله. ليتحقق وعد الله سبحانه، وتقع الرؤيا التي راها منذ زمن .. ها هم إخوته وقد شعروا بقبح فعلتهم، ما أقسى ما يشعرون به الآن! كيف ينظرون في وجه أخيهم؟!﴿ قالوا تالله لَقَدْ أَثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا خَاطِئِين﴾} (يوسف)، ويأتي الرد من الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) ﴾ (يوسف): إنه الصفح الجميل بلا لوم ولا عتاب ولا توبيخ أو عقاب.. عفا وهو العزيز وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا (رواه مسلم) وكما قيل: ليس الحليم من ظلم فحلم، حتى إذا قدر انتقم، ولكن الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر عفا .. إنها معان نحتاجها جميعًا وتستحق أن تخلد.
وهكذا قدر الله تعالى ليوسف أن يكون سببًا في جمع شمل العائلة من جديد، جاؤوه وبيده خزائن الأرض؛ ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مَصْرَ إِن شَاءَ اللهُ آمنين ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُوا لَهُ سُجَّدًاوقال يا أبت هذا تأويل رياي من قبل قد جَعَلها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن وجَاءَ بكم من البدو مِنْ بَعْدِ أَن نَزَعَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وبين إخوتي إِنَّ رَبِّي لَطيف لَمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الحكيم﴾ (يوسف).